يحفظ من محذور ذلك بوازع ، لاستحالة البقاء بعد وضع الشرائع أو السياسات المصطلح عليها الا بنصبه ، وهو السلطان المانع بقهر يده الغالبة ، مما يؤدي لوقوع ذلك المحذور . وواضح من هناك ، ان الملك من الخواص الطبيعية للانسان ، ووجوده لغيره ، كالنحل والجراد ، على ما يظهر في اتباعها لرئيس من شخصها ، انما هو بمقتضى الفطرة والهداية ، لا الفكرة والروية ، كما في الانسان « 223 » .
« أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
« 224 » .
الفاتحة الثانية :
ان مصلحة نصب السلطان الوازع لا تعارضها المفاسد اللازمة عن قهره وغلبته ، لأنها لما رجحت تلك المفاسد ، كانت هي المعتبرة قالوا : « لان ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير ، شر كثير « 225 » ، وما خص ضرره ، وعم نفعه ، فنعمة عامة ، وعكسه بلاء عظيم .
لا ترج شيئا خالصا نفعه * فالغيث لا ينجو من العيث
قلت : ولا يفهم من هذا الكلام مراد الحكماء به ، وهو ان الشر اللازم عن الخير الراجح ، غير مقصود بالذات ، لان ذلك من حيث القصد الخلقي التكويني ، ومراد الأئمة به من حيث القصد التشريعي ، وبينهما فرق مقرر في مواضعه من الأصول العلمية .
الفاتحة الثالثة :
ان توهم الاستغناء عن السلطان باطل ، أما في الدين ، فلامتناع حمل الناس على ما عرفوا منه طوعا أو كرها دون نصبه « ان اللّه ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن » . واما في الدنيا ، فلان حامل الطبع والدين ، لا يكفي في إقامة مصالحها على الوجه الأفضل غالبا .
هامش
( 223 ) يفسر مقدمة ج 1 ص 423 ، ج 2 ص 386 .
( 224 ) جزء من آيتي 49 - 50 سورة طه .
( 225 ) استند هنا على مختصر الشامل لابن عرفة ، باب الإمامة ، من نص مطبوع - حوليات الجامعة التونسية العدد التاسع سنة 1972 . ص 192 .