النظر الثاني في التغافل
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
قال الجاحظ : من أخلاق الملك أن التغافل عما لا يقدح في ملك « 390 » ، ولا يضع من عز « 391 » ويزيد ذلك في أبهته « 392 » . وعليه كانت سيرة آل ساسان وغيرهم .
وقالت العرب : الشرف التغافل .
قال :
ليس الغبي بسيد في قومه * لكن سيد قومه المتغابي
قال : وأنت لا تجد أحدا يتغافل عن ماله إذا خرج ، وعن مبايعته إذا غبن ، وعن التقاضي إذا بخس ، الا وجدت في قلبك له فضيلة وجلالة لا تقدر على دفعها . وفي نحوه قال معاوية رضي الله عنه : أني لأجرّ ذيلي على الخداع . انتهى « 393 » .
المسألة الثانية :
يجب على ذي الفطنة الزائدة الاخذ بهذا الخلق ، لما تقدم في الدهاء المفرط ، حتى يحصل به الرفق المأمور به .
قال ابن خلدون : قل ما تكون ملكة الرفق في المتيقظ الشديد الكيس ، وأكثر ما توجد في الغفل ، والمتغفّل ، وأقل ما في اليقظ أنه يكلف الرعية فوق طاقتهم ، لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم ، واطلاعه على عواقب الأمور في مباديها ، فيهلكون لذلك . قال صلى الله عليه وسلم : سيروا بسير ضعفائكم « 394 » .
هامش
( 390 ) التاج : الملك .
( 391 ) التاج : العز .
( 392 ) التاج الأبهة .
( 393 ) كتاب التاج : ص 182 . الشهب : ص 68 .
( 394 ) مقدمة ج 2 ص 685 مع اختلاف يسير في اللفظ .