في اعتقاله يشاوره ، في هدم الإيوان ، فبعث اليه : لا تفعل . فقال الرشيد لمن حضره : في نفسه المجوسية ، والحنو عليها ، والمنع من إزالة آثارها .
فشرع في هدمه ، فلزمته أموال لا تحصى ، فأمسك ، وكتب إلى يحيى يعلمه بذلك . فأجاب : أن ينفق في هدمه ما بلغ من الأموال ، ويحرص على فعله . فعجب الرشيد من تنافي كلامه في أوله وآخره ، فبعث اليه يسأله عن ذلك فقال : نعم أما ما أشرت اليه في الأول ، فاني أردت به بقاء الذكر لامة الاسلام وبعد الصيت ، وأن يكون من يرد في الاعصار ويطرأ من الأمم في الأزمان ، يرى مثل هذا البنيان العظيم ، فيقول ان أمة قهرت أمة هذا بنيانها ، فأزالت رسومها واحتوت على ملكها ، لامة عظيمة شديدة منيفة . وأما جوابي الثاني ، فإنه أخبرني أنه شرع في بعض هدمه ، ثم عجز عنه ، فأردت نفي العجز عن أمة الاسلام ، وان لا يقول من يأتي في الاعصار أن هذه الأمة عجزت عن هدم ما بنته فارس . فلما بلغ الرشيد ذلك من كلامه ، قال : قاتله الله ، فما سمعته قال شيئا قط ، الا صدق فيه وأعرض عن هدم الإيوان « 377 » .
القاعدة السادسة عشرة الدهاء والتغافل
وفيها نظران :
النظر الأول في الدهاء ،
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
قال المرادي : هو اسم لوضع الأمور مواضعها ، والكف عما لا نفع فيه انتظارا لما فيه النفع .
قال : وقد يوقع على من كثرت حيلته ، وقويت فطنته ، وكان وصوله إلى اغراضه بألطف الوجوه التي يمكن التوصل بها إليها ، فتراه أبدا كأنه
هامش
( 377 ) الشهب : ص 111 . ومصدر الشهب مروج الذهب ج 1 ص 301 - 302 وقد نقل صاحب الشهب القصة من مروج الذهب بألفاظها .