أولهما : وهو أحد الحازمين الذي ينظر في الأمور قبل نزولها ، فيجتلب خيرها ويتجنب شرها ، كالماهر في الشطرنج « 359 » ، يرى الحركة الردية قبل وصولها اليه ، فيلجئ ملاعبه إلى اللعب بها .
ثانيها : وهو الحازم الثاني الذي لا يدبر الأمور حتى تحل به ، وإذ ذاك يتعرف وجه التخلص منها ، وهو دون الأول وأدنى منه إلى التغرير فيما يقع فيها لغفلته وتوانه عن أمر يتعذر فيه الخلاص منه على ذوي الحيلة والاجتهاد « 360 » .
ثالثها : وهو العاجز المتواني الذي لا يزال في لبس من أمره ، وعجز عن اصلاحه حتى يقوده ذلك إلى الخسران .
تمثيل : قالوا : ومثال الثلاثة : أن صيادين أتيا أجمة فيها سمكات ثلاث ، فقال لصاحبه : عد بنا إلى هذه الأجمة بعد فراغنا من الصيد لنصيد ما فيه .
فأما أحزم السمكات ، فخرجت من منفذ الماء إلى البحر فأمنت ، وأما التي تليها في الحزم ، فمكثت حتى جاء الصياد ، فسد المنفذ ، فأيقنت بالهلاك فاحتاجت إلى الحيلة فتماوتت وطفت فوق الماء ، فأخذها الصياد فطرحها غير بعيدة من البحر ، تجيء وتذهب ، حتى صيدت « 361 » .
المسألة الخامسة :
من مهمات الحزم أمور :
أحدها : إساءة الظن حيث يؤدي إلى مفسدة راجحة على مصلحة فقد ورد : الحزم سوء الظن . وفي الحديث . « احترسوا من الناس بسوء الظن » ، فان رجحت مصلحة كانت هي مفسدة في النهي عن هذه الإساءة . قال تعالى :
« اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »
« 362 » .
هامش
( 359 ) في الشهب : فالملاعب الماهر .
( 360 ) في الشهب : « وأدني منه إلى أسباب الهلكة في بعض الأمور ، لأنه ربما وقع بغفلته وتوانه في أمر يتعذر فيه الخلاص على ذي الحيلة والاجتهاد » ص 115 .
( 361 ) الشهب : ص 116 . والسياسة للمرادي ص 98 .
( 362 ) آية 12 سورة 49 .