المقدمة الأولى :
ان العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها امره ، لما تقدم ان الوازع فيه ضروري ، سواء كان يزع الخلق بمقتضى السياسة الشرعية أو العقلية ، وحينئذ فرياسته بذلك ان لم تنته إلى الملك الحقيقي لفقد شرطه ، فلا أقل من تمكنه وتمشية ما يسوس به من تحت رئاسته ، وحينئذ يسمى رئيسا .
المقدمة الثانية :
ان الملة لا بد فيها من القائم بها ، عند غيبة نبيها ، يكون فيها كالخليفة عنه في حملهم على ما جاء به من الاحكام والشرائع ، والحاجة مع ذلك إلى الوازع المسمى بالملك ، انما هو لما تقدم التنبيه عليه ، والملة الاسلامية ، لما شرع فيها الجهاد ، لحمل الكافة على إجابة دعوتها العامة طوعا أو كرها ، فلا جرم اتخذت فيها الخلافة والملك ، ولا كذلك غيرها من الملل .
فلذلك لا ينبغي للقائم فيها بأمر الدين شيء من سياسة الملك ، ووجوده فيها انما هو بالعرض ، والامر غير ديني ، إذا لم يخاطبوا بالتغلب على الأمم كما في الملة الاسلامية ، زادها الله ظهورا . إذا عرفت هذا ، فتلك الرئاسة القائمة بالسياستين نوعان بحسبهما « 36 » .
النوع الأول : الرئاسة الشرعية :
ومن مشهور الواقع من ذلك ، ملخصا من كلام ابن خلدون ، رئاستان :
أحدهما « 37 » لليهود ، وهي رئاسة الكوهن ، والأخرى « 38 » للنصارى ، وهي رئاسة البابا .
الرئاسة الأولى : رئاسة الكوهن
ولهم فيها باعتبار الاقتصار عليها ، والتدرج معها إلى الرئاسات الطبيعية ، ثم الرجوع إليها إلى الآن : ست حالات .
الحالة الأولى : أقاموا فيها من بعد موسى ويوشع عليهما السلام نحو
هامش
( 36 ) يلخص هنا ما جاء في « مقدمة » ج 2 ص ص 756 - 770 .
( 37 ) س : أحدها .
( 38 ) س : الثانية .