قالت أمّ سلمة « 1 » لعثمان رحمهما اللّه ، وهي تعظه :
يا بنىّ ، ما لي أرى رعيّتك عنك نافرين ، ومن جنبك مزورين ؟ ! .
لا تعفّ طريقا كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لحبها « 2 » ، ولا تقتدح زندا كان أكباها « 3 » . توخّ حيث توخّى صاحباك ؛ فإنهما ثكما الأمر ثكما « 4 » ، لم يظلما أحدا فتيلا ولا نقيرا « 5 » ولا يختلف إلّا في ظنين . هذه حقّ بنوّتى قضيتها إليك ، ولي عليك حقّ الطلعة .
فقال عثمان :
أمّا بعد فقد قلت ووعيت ، ووصيّت فاستوصيت ، ولي عليك حقّ النّصتة « 6 » . إنّ هؤلاء القوم الغثرة « 7 » تطأطأت لهم تطأطؤ الدّلاة « 8 » . أرانيهم الحقّ إخوانا ، وأراهم الباطل إيّاى شيطانا . أجررت المرسون منهم رسنه « 9 » وأبلغت الراتع مسقاته « 10 » ، فتفرّقوا علىّ فرقا : صامت صمته أنفذ من قول
هامش
( 1 ) أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية ، أم المؤمنين .
( 2 ) الطريق يذكر ويؤنث . وعفاها : محاها ودرسها . ولحب الطريق لحبا :
أوضحه وبينه .
( 3 ) الاقتداح : ضرب الزند لتخرج منه النار . أكباها : عطلها من القدح فلم يور بها ، كما في اللسان ( كبا 76 ) عند ذكر هذا النص .
( 4 ) في اللسان ( ثكم ) : « فإنهما ثكما لك الحق ثكما » : أي بيناه وأوضحاه حتى تبين كأنه محجة ظاهرة .
( 5 ) الفتيل : السحاة في شق النواة . والنقير : نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة .
( 6 ) النصتة ، بالضم : الاسم من الإنصات ، وهو السكوت والاستماع للحديث .
( 7 ) الغثرة : الجهال الحمقى .
( 8 ) الدلاة ، بالفتح : الدلو الصغيرة .
( 9 ) المرسون : الذي جعل عليه الرسن ، وهو الحبل الذي يقاد به البعير وغيره . أجررته :
جعلته يجره ، أي أهملته وخليته .
( 10 ) المسقاة ، بفتح الميم : موضع الشرب . قال ابن الأثير : أراد أنه جمع له بين الأكل والشرب . ضربه مثلا لرفقه برعيته ، وأنه لان لهم في السياسة كمن خلى المال يرعى حيث شاء ثم يبلغه الورد في رفق .