وأما العبيد فثلاثة : فعبد طمع يتعبد لأهل الدنيا يطأ أعقابهم يحلف بحياتهم ، ويلتمس فضل ما في أيديهم ليصيب شيئا من دنياهم ، استوجب الذل في الدنيا والعذاب في الآخرة ، وعبد أذنب ذنبا لا يدري ما اللّه صانع به فيه ، فما أعظم خطره . وعبد رق ينتظر الفرج .
وأما الدنيا فثلاثة أيام : مضى أمس بما فيه فلا يرجوه ، وصار اليوم في يديك ينبغي أن تغتنمه . وغد لا تدري من أهله تكون أم لا . أما أمس الماضي فحكيم مؤدب ، وأما اليوم القادم عليك فصديق مودع ، وأما غد فليس في يدك منه شيء إلا أهله ، فإن كان أمس الماضي فجعلك بنفسك فقد أبقى اليوم في يدك حكمه ينبغي لك أن تعمل به ، فقد كان طويل الغيبة عنك اليوم وهو سريع الرحلة عنك اليوم ، وأما غد فليس في يدك منه إلا أمله فخذ الثقة بالعمل ودع الغرور بالأمل ، قال سعيد هذا الحديث رتبوه ودبروه .
908 - وبه : قال : أخبرنا أبو طالب محمد بن علي بن الفتح الجرمي المعروف بابن العشائري قراءة عليه بمسجد في شارع دار الرقيق ، قال : حدّثنا أبو الطيب عثمان بن عمرو بن محمد بن المنتاب الدقاق الإمام ، قال : حدّثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد ، قال : حدّثنا الحسين بن الحسن المروزي ، قال : أخبرنا يزيد بن زريع ، قال :
حدّثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، قال : احتجب عبد اللّه بن عمرو فأرسلنا إليه امرأة ، فقالت : ما الذنب الذي لا يغفره اللّه ؟ فقال : ما من ذنب أو قال : من عمل يعمله الناس بين السماء والأرض يتوب العبد إلى اللّه منه قبل أن يموت إلا تاب اللّه عليه .
909 - وبه : قال : أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي بقراءتي عليه ، قال : حدّثنا أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن الحسن بن جهضم الهمداني من لفظه في المسجد الحرام بباب الندوة ، قال : حدّثنا عبد السلام بن محمد ، قال : حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن عبد السلام . قال سمعت علي بن سلمة بن قتيبة يقول : قال إبراهيم بن الأشعث : كان مبتدأ توبة فضيل بن عياض أنه خرج عشية يريد مقطعة وكان يقطع الطريق ، فإذا بقوم حمارة معهم ملح فسمع بعضهم يقول : مروا مروا لا يفجأنا فضيل فيأخذ ما معنا ، فسمع ذلك فضيل فاغتم وتفكر ، وقال : تخافني الخلق هذا الخوف العظيم ، فتقدم وسلّم عليهم وقال لهم وهم لا يعرفونه : تكونون الليلة عندي وأنتم آمنون من الفضيل ، فاستبشروا وفرحوا وذهبوا فأنزلهم وخرج يرتاد لهم علفا ثم رجع فسمع قارئا يقرأ :
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
[ الحديد : 16 ] فصاح ومزق ثيابه على نفسه ، وقال بلى واللّه قد آن ، فكان هذا مبتدأ توبته .