وعيناه تجريان بالدموع ، قال عمرو : فقلت يا أمير المؤمنين ما في هذا الكتاب الذي أبكاك لا أبكى اللّه عينك ؟ فقال يا عمرو : هذا مقتل أمير المؤمنين علي والحسين بن علي عليهما السلام ، فقلت يا أمير المؤمنين : إن الخاصة والعامة قد كثرت في أمرهما ، فما يقول أمير المؤمنين في أهل الكساء ؟ قال فتنفس الصعداء ثم قال : هيه يا عمرو ، هم واللّه آل اللّه وعترة المرسل الأواه - يعني إبراهيم عليه السلام ، وسفينة النجا ، وبدر ظلام الدجى ، وبحر بغاه الندي ، وغيث كل الورى ، وأشبال ليث الدين ، ومبيد المشركين ، وقاصم المعتدين ، وأمير المؤمنين ، وأخو رسول رب العالمين ، صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين . هم واللّه المعلنو التقى ، والمعلمو الجدوى ، والناكبون عن الردى ، لا لحظ ولا جحظ ، ولا فظظ غلظ ، وفي كل موطن يعظ ، هامات ، وسادات ، غيوث جارات ، وليوث غابات ، أولوا الأحساب الوافرة ، والوجوه الناضرة ، لا في عودهم خور ، ولا في زبدهم قصر ، ولا صفوهم كدر ، ثم ذكر الحسن والحسين عليهما السلام ، فهمل منه دمع العين في حالية الخدين كفيض الغربين ونظم السبطين وهي « 1 » من القرطين .
ثم قال : هما واللّه كبدري دجى ، وشمس ضحى ، وسيفي لقى ، ورمحي لواء ، وطودي حجى ، وكهفي تقى ، وبحري ندى ، وهما ريحانتا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وثمرتا فؤاده ، والناصران لدين اللّه تعالى ، ولدا بين التحليل والتحريم ، ودرجا بين التأويل والتنزيل ، ورضعا لبان الدين والإيمان ، والفقه والبرهان وحكمة الرحمن ، سيدا شباب أهل الجنة ، ولدتهما البتول الصادقة ، بنت خير الشبان والكهول ، وسماهما الجليل ورباهما الرسول ، وناغاهما جبريل ، فهل هؤلاء من عديل ، بررة أتقياء ، ورثة الأنبياء ، وخزنة الأوصياء ، قتلتهم الأدعياء ، وخذلهم الأشقياء ، ولم ترعو الأمة من قتل الأئمة ، ولم تحفظ الحرمة ، ولم تحذر النقمة ، ويل لها بما ذا أتت ، ولسخط من تعرضت ، وفي رضى من سمعت ، طلبت دنيا قليل عظيمها ، حقير جسيمها ، وزاد المعاد أغلقت ، إذا الجنة أزلفت وإذا الجحيم سعرت ، وإذا القبور بعثرت ، ولحسابها جمعت ، ويل لها ما ذا حرمت ، عن روح الجنان ونعيمها صدفت ، وعن الولدان والحور غيبت ، وإلى الجحيم صيرت ومن الضريع والزقوم أطعمت ، ومن المهل والصديد والغسلين سقيت ، ومع الشياطين والمنافقين قرنت ، وفي الأغلال والحديد صعدت ، ويل لها ما أتت ، ثم هملت عيناه وكثر نحيبه وشهيقه ، فقلت يا أمير المؤمنين يشفيك ما إليه صار القوم ، فقال نعم ، إنه لشفاء ولكني أبكي لأشجان أحزان تحركها الأرحام وقال : [ المتقارب ]
لا تقبل التوبة من تائب * إلا بحبّ ابن أبي طالب
حب علي لازم واجب * في عنق الشاهد والغائب
هامش
( 1 ) وهي : أي سقط .