لم أكن من جناتها علم اللّه * وإني بحرّها اليوم صالي
قرّبا مربط النّعامة منّي * إنّ بيع الكرام بالشّسع غالي
فأدلنا عليهم يومئذ ، فلم نزل منهم ممتنعين إلى يومنا هذا . قال : فمن ذهب بذكر ذلك اليوم ؟ قال : الحارث بن عباد أسر مهلهلا في ذلك اليوم وقال له : دلّني على مهلهل بن ربيعة ، قال : مالي إن دللتك عليه ؟ قال : أطلقك ، قال : على الوفاء ؟ [ قال : نعم ] « 1 » ، حدثنا أبو بكر بن دريد رحمه اللّه قال : قال له : أنا مهلهل ، قال : « ويحك ! دلّني على كفء كريم ، قال : امرؤ القيس ، وأشار بيده إليه عن قرب ، فأطلقه الحارث وانطلق إلى امرئ القيس فقتله .
وبكر كلها صبرت وأبلت فحسن بلاؤها إلا ما كان من ابن لجيم : حنيفة وعجل ، ويشكر بن بكر ، فإن سعد بن مالك بن ضبيعة جد طرفة بن العبد هجاهم في ذلك اليوم فقال : [ السريع ]
إنّ لجيما عجزت كلّها * أن يرفدوني فارسا واحدا
ويشكر العام على خترها * لم يسمع الناس لهم حامدا
وقال فيهم أيضا : [ مجزوء الكامل ]
يا بؤس للحرب التي * وضعت أراهط فاستراحوا
إنا وإخوتنا غدا * كثمود حجر يوم طاحوا
بالمشرفيّة لا نفر * ولا نباح ولن تباحوا « 2 »
من صدّ عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا براح
فقال معاوية : أنت واللّه يا دغفل أعلم الناس قاطبة بأخبار العرب .
[ 33 ]
[ رثاء الأحنف بن قيس ] :
قال : وأخبرنا أبو حاتم ، قال : أخبرنا أبو عبيدة ؛ قال : مات الأحنف بن قيس بالكوفة أيام خرج مع مصعب بن الزبير إلى قتال المختار ، فنزل دار عبد اللّه بن أبي عصيفير الثقفي ، فلما حملت جنازته ودلّي في قبره ، جاءت امرأة من قومه من بني منقر عليها قبول من النساء ، فوقفت على قبره فقالت : للّه درك من مجنّ في جنن ، ومدرج في كفن ، إنا للّه وإنا إليه راجعون ، نسأل اللّه الذي فجعنا بموتك ، وابتلانا بفقدك ، أن يوسع لك في قبرك ، وأن يغفر لك يوم حشرك ، وأن يجعل سبيل الخير سبيلك ، ودليل الرشاد دليلك ، ثم أقبلت بوجهها على الناس فقالت : معشر الناس ، إنّ أولياء اللّه في بلاده ، شهود على عباده ، وإنا قائلون حقا ، ومثنون صدقا وهو أهل لحسن الثناء ، وطيب الدعاء ، أما والذي كنت من أجله في عدّة ، ومن الضمان إلى غاية ، ومن الحياة إلى نهاية ، الذي رفع عملك عند انقضاء أجلك ، لقد عشت حميدا مودودا ، ولقد متّ فقيدا سعيدا ، وإن كنت لعظيم السّلم ، فاضل الحلم ،
هامش
( 1 ) إضافة يستقيم بها السياق . ط
( 2 ) كذا في الأصل ولعل هنا تحريفا ووجه الكلام : ولا نباح كمن يباح . ط