بلغ اللّه بك أكلأ العمر ، يعني آخره . ويقال : اكتلأت من الرجل اكتلاء إذا احترست منه ، واكتلأت عيني اكتلاء إذا لم تنم وسهرت .
[ 706 ]
[ خبر حب المأمون لجارية الرشيد وما جرى في ذلك ] :
وحدثنا أبو بكر بن الأنباري قال : حدثني أبي قال : حدثني عبد اللّه بن عمرو بن عبد الرحمن الوراق ، قال : حدثنا المفضل بن حازم ، قال : حدثنا منصور البرمكي ؛ قال : كان لهارون الرشيد جارية غلاميّة ، - يعني : وصيفة على قد الغلام - وكان المأمون يميل إليها وهو إذ ذاك أمرد ، فوقفت يوما تصب على يد الرشيد من إبريق معها ، والمأمون جالس خلف الرشيد ، فأشار المأمون إليها كأنه يقبّلها . فأنكرت ذلك بعينيها ، وأبطأت في الصب على مقدار نظرها إلى المأمون وإشارتها إليه ، فقال الرشيد : ما هذا ! ضعي الإبريق من يدك ، ففعلت ، فقال : واللّه لئن لم تصدقيني لأقتلنك ، فقالت : يا سيدي ، أشار إليّ عبد اللّه كأنه يقبلني فأنكرت ذلك ، فالتفت إلى المأمون ونظر إليه كأنه ميّت لما دخله من الجزع والخجل ، فرحمه وضمه إليه وقال : يا عبد اللّه ، أتحبها ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : هي لك ، قم فادخل في تلك القبة ، ففعل ، ثم قال : هل قلت في هذا الأمر شعرا ؟ قال : نعم يا سيدي ، ثم أنشد : [ المجتث ]
ظبي كتبت بطرفي * من الضمير إليه
قبّلته من بعيد * فاعتلّ من شفتيه
ورد أخبث ردّ * بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني * حتى قدرت عليه
[ 707 ]
[ ما قيل في العناق ، وامتزاج أرواح الحبيبين ] :
ومن أحسن ما قيل في العناق ما أنشدناه أبو بكر بن الأنباري ، قال : أنشدنا عبد اللّه بن خلف ؛ قال : أنشدني أحمد بن يحيى بن أبي فنن : [ المتقارب ]
خلوت فنادمتها ساعة * على مثلها يحسد الحاسد
كأنّا وثوب الدجى مسبل * علينا لمبصرنا واحد
[ 708 ] قال أبو بكر : وسرق هذا المعنى ابن المعتز ، فقال : [ السريع ]
ما أقصر الليل على الراقد * وأهون السّقم على العائد
يفديك ما أبقيت من مهجتي * لست لما أوليت بالجاحد
كأنني عانقت ريحانة * تنفّست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى * حسبتنا من جسد واحد
[ 709 ] وأحسن في هذا المعنى علي بن العباس الرومي وأنشدناه الناجم عنه :
[ الطويل ]
أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها وهل بعد العناق تداني