وقال الشيخ عبد القاهر « 1 » عن الحذف : هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتمّ ما تكون بيانا إذا لم تبن ، وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر ، وتدفعها حتى تنظر ، وأنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه الحذف ، ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه ، وأقيم الحجة من ذلك عليه .
وقال أيضا فيما نقل عنه الزركشي « 2 » : ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره ، وللّه درّ القائل :
إذا نطقت جاءت بكل مليحة * وإن سكتت جاءت بكل مليح
63 - وقال العز بن عبد السلام « 3 » : والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا وصلة إليه ، لأن حذف ما لا دلالة عليه مناف لغرض وضع الكلام من الإفادة والإفهام ، وفائدة الحذف تقليل الكلام ، وتقريب معانيه إلى الأفهام .
وقال حازم القرطاجنّى ، فيما حكى عنه الزركشي « 4 » : إنما يحسن الحذف ما لم يشكل به المعنى ، لقوة الدلالة عليه ، أو يقصد به تعديد أشياء ، فيكون في تعدادها طول وسآمة ، فيحذف ويكتفى بدلالة الحال عليه ، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها على الحال .
وقد تنازع مبحث الحذف علماء إعجاز القرآن ، والبلاغة والنحو ، لكن علماء الإعجاز والبلاغة عالجوا الحذف في أبواب خاصة أفردوها له ووقفوها عليه ، ثم تكلموا عليه مرّة واحدة ، وخلطوا مباحث البيان بمباحث النحو ، أما النحويون فقد
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز ص 146 .
( 2 ) البرهان 3 / 105 .
( 3 ) الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز ص 5 .
( 4 ) الموضع السابق من البرهان ، وقد حكى الزركشي كلام حازم هذا من كتابه « منهاج البلغاء » ولم أجده في المطبوع منه ، ووضعه محققه في ملحق الكتاب ص 391 ، نقلا عن البرهان .