ولما ضبط أمر الملك ، ومنع الأيدي من الظلم ، اشتد ذلك على من اعتاده « 1 » ، فطولب ولم يعبه أعداؤه بشيء سوى قولهم : إن شغله بمحقرات الأمور يشغله عن جليلها ، لأن زمانه لا يفي بذلك ؛ إلى أن صرف وحبس حبسا كريها ، فكتب في نكبته عدة مصاحف ، وكان يحمل في وزارته إلى بيت المال ما يرد عليه مما كان الوزراء قبله يرتفقون به ؛ فقال المقتدر : قد استحييت من اللّه في مال عليّ بن عيسى ، فإني أخذته ظلما ، وأحاله به على مال مصر ، فاشترى به ضياعا ووقفها على مكة والمدينة .
ولما استقدم من مكة بعد إخراجه إليها « 2 » ، والوزير إذ ذاك أبو عليّ محمد بن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان « 3 » ، وقد تبيّن عجزه ، خلع عليه وقدّم للوزارة ، وأمر بالقبض على محمد وابنيه عبيد اللّه وعبد الواحد ، وكانوا قد ركبوا إلى دار الخلافة ووعدوا أن يسلّم إليهم فسلموا إليه ، فأطلق عبد الواحد وقال : إنه مظلوم ؛ وعامل محمدا وعبيد اللّه أحسن معاملة ، ورفق بهما ، وكانا قد أرادا قتله في طريق مكة ، فلم يمكنهما فيه حيلة .
ورفع إليه أنّ رجلا من جلساء عبيد اللّه قال : إن علي بن أبي طالب قتل ، فمن علي بن عيسى حتى لا يقتل ! فما زاد علي أن قال : أما اتقى اللّه ولا خافه ! ! ثم كان يقضي حوائج ذلك الرجل ويثني عليه ؛ فلما جلس للناس ورأى تكاثرهم تمثّل « 4 » :
هامش
( 1 ) - رواية ( س ) و ( ر ) ، وفي ( ق ) : اعتاد .
( 2 ) - انظر بعض أخباره في فترة نفيه إلى مكة في تاريخ بغداد : 12 / 14 - 15 .
( 3 ) - انظر أخباره في تاريخ الوزراء للصابي : 261 - 280 .
( 4 ) - البيتان من البسيط .