عاب الأصمعي شعره حين وجده كله متخيّرا مستويا لمكان الصنعة والتكلّف والقيام عليه ، وكان الأصمعي يستحسن التفاوت في الشاعرية لأنه مظهر الطبع ، وخلوّ الشعر من آثار الصناعة ، وعلى هذا الرأي يسير بعض المحدثين ممّن يرى أن التفاوت في شعر الشاعر دليل على عبقريته وطبعه ، ويعدّه العقّاد الآية الناطقة على شاعرية المتنبي وعظيم مكانته في الشعر .
ولقد كان الشعر العربي أثرا للفطرة والبديهة . واستجابة لمشاعر الشاعر وشعوره بالحياة في الجاهلية ، وكان أكثره ارتجالا أو ما يشبه الارتجال ، ينظمه الشاعر على البديهة ، ويأتي به عفو الخاطر ؛ ترد إلى ذهنه المعاني وتتابع ، فتنثال عليه الألفاظ وتأتيه الأساليب شعرا وشعورا وسحرا وجمالا ، كل ذلك في سهولة وتدفّق وفطرة دون تثقيف وتهذيب وتنقيح ، حتى قال الجاحظ : وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام ، وليس هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ، وإنما هو أن يصرف همّه إلى الكلام وإلى جملة المذهب والعمود الذي إليه يقصد ؛ فتأتيه المعاني أرسالا ، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا .
وفي العصر الجاهلي بدأ لون جديد من ألوان التهذيب والصنعة في الشعر على يد أوس وزهير وتلاميذهما .
كان أوس بن حجر من أصحاب التنقيح وكان يسمى محبرا لحسن شعره .
وتتلمذ عليه زهير ، وكان طفيل الغنوي كذلك ، وكان النمر بن تولب من أصحاب التثقيف والتهذيب . وكان أبو عمرو بن العلاء الناقد الراوية م 154 ه يسمّيه الكيّس لحذقه بالشعر . والنقّاد يعدّون النابغة الذبياني أيضا من المصنّعين . ويقول أنصار الصنعة : إن امرأ القيس أيضا كان يثقف شعره ويعيد النظر فيه فيسقط رديئه ويثبت جيّده . وكان امرؤ القيس راوية أبي دؤاد أبي الإيادي وكان يلوذ به في شعره ويتوكأ على معانيه كثيرا ، ولكن شعر امرئ القيس ينفي عنه الصنعة والتصنيع ؛ وفرّق بين أن يجيء عفوا في شعره بعض آثار الصناعة الفنية وأن يكون مصنعا ينحت فيه كما ينحت الفنّانون تماثيلهم .
وأبرز رجال هذه المدرسة على أيّ حال هو زهير ، قال بعض النقّاد : عمل سبع قصائد في سبع سنين وكان يسمّيها الحوليّات ؛ كان زهير يصنع الحوليّات على وجه التثقيف والتهذيب ، يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها - خوفا من النقد والنقّاد - بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة وقيل : كان ينظم القصيدة في شهر ثم لا يزال يهذبها حتى يمرّ عليها الحول ، وقيل : بل كان يعمل القصيدة في ستة أشهر
أشعار الشعراء الستة الجاهليين — صفحة 263
مساهمون: يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
ص٢٦٣