ويهذبها في ستة أشهر ، وقال الجاحظ : كان زهير يسمّي كبار قصائده الحوليّات . وقد سار تلامذة زهير على نهج أستاذهم كالحطيئة الشاعر الإسلامي وسواه .
وكان هذا المذهب الفني في الشعر الجاهلي - مذهب الصنعة والتصنيع - أثر للتنافس بين الشعراء وقيام الأسواق الأدبية كعكاظ وسواه بالحكومة الأدبية بينهم .
وكان النابغة تقام له قبّة في عكاظ ويتحاكم إليه الشعراء ، كما كان أثر للتكسّب بالشعر واتخاذه وسيلة للثّراء وعكوف الشعراء المصنّعين على تجويد مدائحهم ليستخرجوا بها سني الهدايا والألطاف من ممدوحيهم ، وكان ارتباط الشعر الجاهلي بالغناء ورغبة بعض الشعراء في التجويد والتجديد في المعاني من أسباب نشأة هذا المذهب الفني أيضا .
وإذا نظرنا إلى الشعر الجاهلي نفسه وجدنا الفرق كبيرا بين آثار أصحاب الطبع والبديهة كطرفة وامرئ القيس ومهلهل وآثار الشعراء المصنّعين .
والمعلقات السبع وهي من أشهر القصائد الجاهلية في البلاغة الأدبية وأحفلها بمواهب الشاعرية والفن والخيال وخصب الملكات ، كلها من آثار الطبع الأدبي الموهوب ؛ وليس فيها شيء من مظاهر الصناعة الفنية ؛ فمعلقة امرئ القيس أروع صورة لحياة الشاعر وترفه ولهوه ، ومعلقة عمرو بن كلثوم ملحمة تاريخية تصوّر التاريخ القومي والحربي والسياسي لقبيلة الشاعر « تغلب » ومعلقة عنترة حديث عذب جميل بين الحب والحرب والبطولة ؛ ومعلقة زهير دعوة للسلام ووصف لأهوال الحرب وقسوتها على الناس والبشرية ، ويكاد يكون زهير فيها أشبه شيء بالمطبوع ، ويكاد أسلوبه فيها يبعد عن الصنعة وآثارها الفنية .
وشتّان بين معلقة زهير هذه وبين قصيدة النابغة : [ الطويل ]
كليني لهم يا أمية ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب
أو قصيدة أخرى لزهير نفسه هي : [ الطويل ]
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعرّى أفراس الصبا وزواحله
لبعد ما بين الأثر المطبوع والأثر المصنوع .