أداء المعنى اختار طريق المبالغة المقبولة فقال مثلا « 1 » : [ الطويل ]
فلو كان حمد يخلد الناس أخلدوا * ولكن حمد الناس ليس بمخلد
وإذا أراد أن يجود في المدح اختار ما هو أليق به وأقرب إلى ذوق الناس في عصره من وصف ممدوحه بالبطولة والشجاعة والعفّة والنائل الكثير ، والتهلّل عند ورود العفاة ولكنه لا يزعم أبدا أن ممدوحه فعل المعجزات وصنع المستحيلات ونالت قدرته السماوات ، كما يزعم المحدثون من الشعراء . . . وتشيع في معاني زهير الحكمة الصادقة ؛ والتجربة الصحيحة ، والخبرة الواعية بالحياة وأحداثها ومشكلاتها . ومن ثم عدّ من شعراء الحكمة في الشعر الجاهلي .
رابعا - من حيث الخيال :
ومعاني زهير لا يسوقها سوق الحسّ والمشاهدة فحسب ، ولكنه يتكئ فيها على خياله ؛ ليبرزها في ألوان مجنحة من صنعة الخيال المتصرّف في ملكات النفس والشعور وهذا الخيال عند زهير من صنعته أن يقرب البعيد ؛ ويسهل الصعب من المعاني ويوضح الغامض ، وأجنحة هذا الخيال في مبالغة مقبولة أو استعارة صادقة ، أو كناية قريبة ؛ أو تشبيه مستطرف في ثنايا شعره .
خامسا - من حيث الأغراض :
أجاد زهير إجادة عالية في الحكمة والمدح والغزل ، وقارب من الإجادة في الوصف والفخر والعتاب وكان متوسطا في الهجاء والرثاء والاعتذار . . . وقد مضت نماذج لهذه الفنون من شعره ؛ ولكن الذي نريد أن نتحدث عنه هو أسباب تجويده في المدح . . . وهذه الأسباب من أهمها :
أولا : حرص زهير على تسجيل بعض مآثر سادات العرب الذين كان لهم مكان مرموق في الحياة الجاهلية ؛ وأثر واضح في فضّ مشكلات الحرب بين قبائلها .
ثانيا : الوفاء الذي طبعت عليه نفس زهير وشدة تأثّر بأيدي ممدوحيه عليه .
ثالثا : اعتزازه بمفاخر القبيلة ؛ ومجدها ومآثرها ؛ مما كان يدفعه إلى مدح قومه .
هامش
( 1 ) البيت في الديوان ص 41 ، ورواية صدر البيت في الديوان :فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت