ومن دلائل يقظة ذهنه وانتباهه في مجالسه وضبطه لتفسه ، ما حدث أبو أحمد الحسن بن عبد اللّه العسكري قال « 1 » :
كنّا في مجلس ابن دريد ، وكان يتضجّر ممن يخطئ في قراءته ، فحضر غلام وضيء فجعل يقرأ ويكثر الخطأ ، وابن دريد صابر عليه ، فتعجّب أهل المجلس .
فقال رجل منهم : لا تعجبوا فإنّ في وجهه غفران ذنوبه ! فسمعها ابن دريد فلما أراد أن يقرأ قال له : هات يا من ليس في وجهه غفران ذنوبه ! فعجبوا من سمعه مع علو سنّه .
ومن شواهد دقّة تفسيره للشعر مما لا يقع عليه إلا الخبير الضليع ما رواه الرّصافى قال « 2 » :
هجرتك لاقلى منى ولكن * رأيت بقاء ودّك في الصّدود
كهجر الحائمات الورد لمّا * رأت أنّ المنية في الورود
تفيض نفوسها ظمأ وتخشى * حماما فهي تنظر من بعيد
فقال : الحائم الذي يدور حول الماء ولا يصل إليه يقال حام يحوم حياما .
ومعنى الشعر أن الأيائل تأكل الأفاعي في الصيف ، فتحمى فتلتهب بحرارتها وتطلب الماء ، فإذا وقعت عليه امتنعت من شربه وحامت حوله تنسّمه ، لأنها إن شربته في تلك الحال صادف الماء السمّ الذي في جوفها فتلفت « 3 » ، فلا تزال تدفع بشرب الماء حتّى يطول بها الزمان فيسكن ثوران السم ، ثم تشربه فلا يضرّها .
* * * وكان من الطبيعىّ أن تتجه أنظار العلماء إلى هذه العبقرية النادرة لنزنها
هامش
( 1 ) ياقوت 18 : 139 .
( 2 ) ياقوت 18 : 140 .
( 3 ) انظر الحيوان للجاحظ 7 : 29 .