وأخذ يعتبره علىّ فوجدني قد حفظته ، فدخل إلى عمّى فأخبره ، فأعطاني ما كان وعدنى به .
وروى الخطيب « 1 » عن أبي الحسن الأزرق أنه قال :
كان ابن دريد واسع الحفظ جدا ، ما رأيت أحفظ منه ، وكانت تقرأ عليه دواوين العرب كلّها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها وتحفظهما ، وما رأيته قطّ قرئ عليه ديوان شاعر إلا وهو يسابق إلى روايته له ؛ لحفظه له .
وقال المسعودي « 2 » شاهدا لابن دريد بالبراعة في اللغة والشعر :
وكان ابن دريد ممّن برع في زماننا هذا في الشعر وانتهى في اللغة ، وقام مقام الخليل بن أحمد ، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدّمين . وكان يذهب في الشعر كلّ مذهب ، فطورا يجزل وطورا يرقّ .
وكان لابن دريد ولوع بالعلم والكتب ، وفي ذلك يقول أبو نصر أحمد بن الحسين الميكالى « 3 » :
تذاكرنا المتنزّهات يوما وابن دريد حاضر ، فقال بعضهم : أنزه الأماكن غوطة دمشق . وقال آخرون : بل نهر الأبلّة . وقال آخرون : بل سغد سمرقند ، وقال بعضهم : نهروان بغداد . وقال بعضهم : شعب بوّان ، وقال بعضهم :
نوبهار بلخ ، فقال : هذه متنزّهات العيون فأين أنتم عن متنزّهات القلوب ؟
قلنا : وما هي يا أبا بكر ؟ قال : عيون الأخبار للقتيبى ، والزّهرة لابن داود ، وقلق المشتاق لابن أبي طاهر . ثم أنشأ يقول :
ومن تك نزهته قينة * وكأس تحثّ وكأس تصبّ
فنزهتنا واستراحتنا * تلاقى العيون ودرس الكتب
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 2 : 196 .
( 2 ) ابن خلكان 1 : 497 - 498 .
( 3 ) ياقوت 18 : 139 .