والسؤال هنا هو : ما الذي جعلني أتوقف عن ذلك ؟ والإجابة وبكل صراحة ووضوح وبدون مواربة : هو أنني مرضت مرضا ما زال ملازمني حتى ساعة خطي لهذه المقدمة .
وإذا سألت عن سبب هذا المرض ، أجبتك عن رأي الأطباء فيه وهو أن سببه هو هذا الكتاب حيث أنني كنت أتجنب كثيرا قراءة التاريخ خصوصا تاريخ فترة الفتنة حتى لا أتضايق أو تنقبض نفسي أو ينزلق لساني في حق أحد منهم ، وقد يكون هو صاحب الحق ، وأتمثل دائما مقولة مشهورة كلما سألني سائل أو دار حديث عن تلك الفترة ألا وهي قول بعضهم : " تلك دماء طهر اللّه منها سيوفنا فلم ندس فيها ألسنتنا " . وكان لي فيها سلوى وغنية عظيمة .
ثم إنني كنت وما زلت أتمنى أن يقوم إنسان أو مجموعة من علماء هذا الفن بتنقية كتب السير والتواريخ مما شابها من هذه الترهات والأساطير والاتهامات والكذب والأمور التي تخدش الحياء والتي لا أصل لها من قريب أو بعيد بالسرد التاريخي ، والغريب والعجيب أنك تجدها تدرس في الجامعات ويحاضر بها في المحافل العلمية على علّاتها ولا يشار إلى الخلل الذي بها ، اللهم إلّا بعض أفاضل الأستاذة والذين يريدون كشف الغمة عن وجه الإسلام ، أما الغالبية والغالبية العظمى فيريدونها هكذا لأنها تخدم أغراض طغمة ما .
المهم أنني أثناء تحقيقي للكتاب وجدت نفسي في قلب تلك الحقبة التي كنت أتجنب الخوض فيها أو حتى قراءة ما كتب عنها ، إلا أنني اضطررت لقراءة ذلك للبحث عن تراجم أو تحقيق بعض النصوص فأثّر ذلك عليّ نفسيا تأثيرا شديدا مما أدى إلى مرضي الذي أرجو من اللّه عز وجل أن يعجل لي الشفاء منه .
وعلى العموم فبوادر الخير قد لاحت ، إذ وقع في يدي الآن مخطوط
أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام ( ويليه كنى الشعراء ومن غلبت كنيته على إسمه ) — صفحة 16
مساهمون: محمد بن حبيب البغدادي
ص١٦