وسمعت أبا محمد الفرغانيّ الحنيفي يقول : ما خلوت بفكري في أمري وملازمتي هذا الرجل - يعني البصريّ - إلا ظننت أن اللّه تعالى يرسل عليّ صاعقة أو يجعلني آية وعبرة باقية .
وأما ابن أبي كانون « 1 » فإني قلت له يوما : ما لي أراك واجما من غير عارض ، وطويل السّكوت من غير عيّ ، وكثير الفكر من غير وسواس ، وشديد الحزن من غير إفلاس ؟ ليس لك أنس بالجماعة ، ولا تفكّه بالمحادثة ، ولا استمتاع بالمجالسة ، بعد ما عهدتك في حدثان مقدمك وأنت تتّقد كالنّار ، وتزخر كالبحر ، وتأرن « 2 » كالمهر ، وتذكو كالعنبر .
فقال : ومن أولى بالبال الكاسف والغمّ الطويل والأرق الدّائم منّي ؟ فارقت وطني وأهلي وإخواني ومعارفي وجميع ما كنت آلفه وأحيا به ، وأشتمّ روح العيش منه ، وتجرّعت مرارة بعدي عنهم ، وصبرت نفسي على ما نالهم بخروجي من بينهم وسلوتي دونهم ، وما نزل بي بعدهم من جفاء الغربة ووحشة الوحدة ، وشظف العيش بالقلّة - كلّ ذلك طمعا فيما أبرّد [ به ] « 3 » غليل قلبي في الدّين والمذهب ، وأنفي به الحرج
هامش
( 1 ) ورد ذكره في الصداقة 24 .
( 2 ) أرن : مرح ونشط .
( 3 ) تكملة يدل عليها ما بعدها .