والرّواح واستنشاق الغبار والرياح وتجرع العبط « 1 » والكدّ ، ومزاحمة أهل الجهل والنقص ، ومغالبة ذلّ الحجاب وسوء أدب البوّاب والرّضا بالهزء والسخرية ؛ وما ابيضّت له يد عند أحد ، ولا تمّت له نعمة على أحد ، لملله وحسده ، وضجره ونكده ، وامتنانه وكثرة ذكره لفضله ومدحه لنفسه . والعرب تقول في حكمها : المنّة تزري بالألبّاء .
على أن « 2 » عطاءه لا يزيد على مائة درهم وثوب إلى خمسمائة ، وما يبلغ إلى ألف نادر ، وما يوفي على الألف بديع « 3 » ، بل قد « 4 » نال به ناس من عرض جاهه على السنين ما يزيد قدره على هذا بأضعاف ، وعدد هؤلاء قليل جدّا ، وذلك أيضا بابتذال النّفس وهتك السّتر ، والإفراج عن الدين والمروّة والعرض والأنفه .
قال : وأيّ عقل يكون لمن يقول : لم يكن في الدّولتين الأموية والعباسية مثلي ، وهذا الكلام قد دوّنه في بعض كتبه ؛ وقد حكيت هذا بمدينة السّلام فسمعه قوم كرام يرجعون إلى فضل كثير وبصائر
هامش
( 1 ) العبط : التنقص والشتم .
( 2 ) نقله ياقوت في الإرشاد 2 / 304 .
( 3 ) يعني إذا جاوز عطاؤه الألف كان حدثا مبتدعا لم يسبق له نظير .
( 4 ) في الإرشاد « بلى » .