ما لعلّه أن يكون لهذه الصفات من أثر ، يكشف عن عنصر هام كان يمدّ هذه الخصومة .
فالصاحب - على ما عدّ من فضائله - كان شديد الإعجاب بنفسه ، يحب الفخر وينتحل لنفسه الفضائل التي ربما قصّر عنها « 1 » ؛ وكلماته وأسجاعه النّابية والقاسية التي جبه بها زوّاره ومنتجعيه ومحدّثيه ، ومقطّعاته الشعرية التي هجا فيها جمعا من الفضلاء ، فأفحش وأقذع « 2 » - تدلّ جميعا على جرأته وسلاطة لسانه ، وعدم تقديره لواجبات الرياسة .
وقد تجرع الصاحب نتيجة ذلك كله ؛ فهجاه جمع من الناس في حياته « 3 » وبعد موته « 4 » .
بهذه الصفات استقبل الصاحب أبا حيان .
وأبو حيان أديب واسع الثقافة ، أكسبته صلته بالناس على اختلاف طبقاتهم ، ومشاركته لهم في حياتهم يخبرها وينفذ إلى أعماقها - تجربة واسعة ؛ ناقد مرّ لا تكاد عينه تخطىء مواطن النّقص ، ذو حسّ مرهف ينفعل لأخفّ المؤثرات ، ويسجّل أسرع الحركات وأخفاها ؛ مع قدرة لغويه فائقة تسعفه على نقل أحاسيسه نحو الناس - مهما دقّت - في غاية من الوضوح والصفاء .
هامش
( 1 ) الإرشاد 2 / 339 .
( 2 ) يتيمة الدهر 3 / 243 - 247 ، وعنها العباسي في معاهد التنصيص 2 / 156 ، 160 .
( 3 ) اليتيمة 3 / 251 - 252 . والمعاهد 2 / 160 .
( 4 ) تتمة اليتيمة 1 / 100 .