واللّه للخروج من الطّارف والتّالد أسهل من التعرّض لهذا القول والصّبر عليه وقلّة الاكتراث به ، ولهذا بكت العرب من وقع الهجاء كما تبكي الثّكلى « 1 » من النّساء ، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخوّن « 2 » جمالها ويعيب فعالها .
ومما يختل به الرّئيس ويذهل عليه أنّه ينظر إلى جماعة بين يديه قد أحسن إلى كلّ واحد منهم وقرّبه وأعطاه واختصّه بشيء وأبانه بحال ، وإذا رأى واحدا بعد هاؤلاء لا نباهة لقدره ، ولا جهارة لمنظره « 3 » ، ولا شهرة لاسمه ومنصبه حقره ، وثنى طرفه عنه ، وأغضاه دونه ، ولم يهشّ لذكره ورؤيته ، واعتقد أنه ليس بذي محلّ يبالي به ، ولا يبين في غمار الباقين ؛ أو يجب على ذلك المحروم أن يذكره بما هو أغلب عليه ، وأشهر عنه ، وأن يعدّ نيل غيره كرما قد عمّ ، وأن كان إخفاقه وحده لؤما قد خص ؟
وهذا موضع يشكل قليلا ، وتطول فيه الخصومة بين الآمل والمأمول ، على أن الكرم والاحتجاج لا يجتمعان ، والّلؤم والاحتيال لا يفترقان ؛ وقد ألمّ الشاعر بطرف من هذا المعنى بقوله :
هامش
( 1 ) المرأة التي فقدت ولدها أو زوجها .
( 2 ) يتنقص .
( 3 ) جهارة الرجل : حسن منظره وتمام جسمه .