فأخزيثه ، وخصّنى بالخيبة التي نالت منّي ، فخصصته بالغيبة التي أحرقته ، والبادي أظلم ، والمنتصف أعذر ؛ وكنت كما قال الأول :
وإن لساني شهدة يشتفى به * أجل وعلى من صبّه اللّه علقم « 1 »
ولئن كان منعني ماله الذي لم يبق له ، فما حظر عليّ عرضه الذي بقي بعده ، ولئن كنت انصرفت عنه بخفّى حنين « 2 » لقد لصق به من لساني وقلمي كلّ عار وشنار وشين « 3 » ، ولئن لم يرني أهلا لنائله وبرّه « 4 » ، إني لأراه أهلا لقول الحقّ فيه ، ونثّ ما كان يشتمل عليه من مخازيه ، ولئن كان ظنّ أن ما يصير إليّ من ماله ضائع ، إني لأتيقّن الآن أنّ ما يتّصل بعرضه من قولي شائع ، والحساب يخرج الحاصل من الباقي ، والنّظر يميّز الصحيح من السّقيم ، والاعتبار « 5 » يفرد الحق من الباطل ، والمنصف في الحكم يعذر المظلوم ويلوم الظالم ، والشاعر يقول :
فإن تمنعوا ما بأيديكم * فلن تمنعونا إذن أن نقولا
هامش
( 1 ) الشهدة : العسل . والعلقم : شجر الحنظل .
( 2 ) حنين اسم اسكاف كان بالحيرة . وأصل المثل « رجع بخفى حنين » ، وله قصة في المعارف 265 ، مجمع الأمثال 1 / 199 - 200 .
( 3 ) شناروشين : عيب وقبح .
( 4 ) البر : الخير .
( 5 ) الاعتبار : التدبر والملاحظة .