فجلس مليّا لا يتكلّم ، فنظرت اليه ، فإذا بدؤ الكآبة على وجهه ، وإذا جبينه يرشح عرقا . فقلت لآخر إلى جنبي :
ماله ، أتراه يهاب المنطق ؟ فو اللّه انه خطيب أريب ، وانه لتهون عليه دهاة الرجال عند الجدال والنزال فما يهاب ؟
قال : أراه يريد ذكر مقتل سيّد العرب المصعب ، فهو يقطع بذكره ، وغير ملوم . فقام فقال « 1 » : الحمد للّه الذي له الخلق والأمر ، وملك الدنيا والآخرة ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممّن يشاء ، ويعزّ من يشاء ، ويذلّ من يشاء . ألا « 2 » وانه يذلل اللّه - عزّ وجلّ - من كان ( 181 و / ) الحقّ معه ، وان كان فردا لا ناصر له « 3 » ، ولم يعزز اللّه من كان أولياء الشيطان معه ، وان كان في العدد والعدّة والكثرة « 4 » . وقال ابن الكلبيّ : وان كان الأنام طرّا معه .
[ انه ] « 5 » أتانا خبر من العراق ، أهل الغدر والشّقاق ، سرّنا وساءنا ، أتانا أنّ مصعا قتل - رحمة اللّه عليه ومغفرته - فأمّا الذي أحزننا من ذلك ، فانّ لفراق الحميم لذعة ، يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يرعوي من بعد ذو الرأيّ والدّين إلى جميل الصبر « 6 » ، وأمّا الذي سرّنا من ذلك فانّا قد علمنا أنّ
هامش
( 1 ) الخطبة في جمهرة خطب العرب 2 / 175 وفيها مراجع تخريجها .
( 2 ) في الجمهرة : أما بعد .
( 3 ) في الجمهرة : مفردا ضعيفا .
( 4 ) في الجمهرة : فإنه لم يعز من كان الباطل معه وان كان معه الأنام طرّا .
( 5 ) سقطت من الأصل والمجلة .
( 6 ) في الجمهرة : وكريم العزاء .