وقامت الحرب على ساق ، وحضر الفراق وكثر العناق ، وبانت الأعناق ، وقامت الرجال في ركبها من بعد فناء من نبلها ، وتقصّف من رماحها ، فلا يسمع الّا التغمغم من الرجال ، والتحمحم من الخيل ، ووقع السيوف في « 1 » الهام . فدار يومنا ذلك حتى طفقنا الليل بغسقه ، ثم انجلى الصبح بفلقه ، ولم يبق من القتال الا الهرير « 2 » والزئير . أما واللّه لعلموا أني أعظم غناء ، وأحسن بلاء ، وأصبر على اللأواء منهم ، وأني كما قال الشاعر :
وأغضي على أشياء لو شئت قلتها * ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا
فإن كان عودي من نضار فإنني * لأكره يوما أن أحطم خروعا
ولئن جعلني أمير المؤمنين شعاره دون دثاره ، أو سرباله دون ازاره ، أو نفسه « 3 » بين جنبيه ، لقد أوليت ذلك ، فوجدته شكورا ذكورا ، إذ لم تشكروه ولم تذكروه ولا ايّايّ ، إذ طلبنا بدم عثمان ، إذ لم تحسبوه ، وبلغنا الغاية إذ لم تبلغوا ، وإذ جحدتم أمير المؤمنين ، فأنتم « 4 » للنعمى أنكر وأكفر ، وأمّا ما ( 58 ظ / ) زعمت « 5 » يا سعيد بن العاص أني أعامل الناس بالمكر والخداع فاني أنال بالأدب واللّبّ ، والرفق والصدق ، إذ خرق من لم يرفق وخاب من لم يصدق . وأمّا قولك اني غششت أمير
هامش
( 1 ) في ب : على الهام .
( 2 ) الهرير : صوت الكلب دون نباحه .
( 3 ) في ب : ونفسه .
( 4 ) في ب : وأنتم .
( 5 ) في ب : سمعت .