قبيحا دميما قصيرا ، وقد تزينت وكانت حسناء فلم يتمالك أن أدام النظر إليها فقالت : ما شأنك ؟ قال : لقد أصبحت واللّه جميلة . فقالت : أبشر فأني ، وإياك في الجنة . قال : ومن أين علمت ؟ قالت : لأنك أعطيت مثلي فشكرت ، وابتليت بمثلك فصبرت ، والصابر والشاكر في الجنة .
قال القحذمي « 1 » : دخل ذو الرمة « 2 » الكوفة فبينما هو يسير في بعض شوارعها على نجيب « 3 » له إذ رأى جارية سوداء واقفة على باب دار فاستحسنها فدنا منها فقال : يا جارية اسقني ماء . فأخرجت إليه كوزا « 4 » فشرب ، وأراد أن يمازحها فقال :
ما أحرّ ماءك . فقالت : لو شئت لأقبلت على عيوب شعرك ، وتركت حرّ مائي وبرده .
فقال لها : وأي شعري له عيب ؟ فقالت : ألست ذا الرمة ؟ قال : بلى . قالت :
فأنت الذي شبهت عنزا بقفرة * لها ذنب فوق استها أم سالم « 5 »
جعلت لها قرنين فوق جبينها * وطبيين مسودّين مثل المحاجم « 6 »
وساقين إن يستمكنا منك يتركا * بجلدك يا غيلان مثل المناسم « 7 »
أيا ظبية الوعساء بين حلاحل * وبين النقا أأنت أم أمّ سالم ؟ « 8 »
قال : نشدتك اللّه إلّا أخذت راحلتي هذه ، وما عليها ولم تظهري هذا ، ونزل
هامش
( 1 ) القحذمي : هو الوليد بن هشام بن قحذم . راوية من رواة الأخبار .
( 2 ) ذو الرمّة : هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي ، شاعر ، من فحول الطبقة الثانية في عصره . أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال . توفي سنة 117 ه .
( راجع ترجمته في وفيات الأعيان 1 : 404 ؛ والموشح : 170 ؛ والشعر والشعراء :
206 ؛ ومعاهد التنصيص 3 : 260 ؛ وخزانة البغدادي 1 : 51 ؛ والشريشي 2 : 53 ؛ والأعلام 5 : 124 ) .
( 3 ) النجيب : الكريم من الإبل .
( 4 ) الكوز : الإناء الصغير .
( 5 ) القفرة : الصحراء .
( 6 ) الطبي : حلمة الضرع .
( 7 ) غيلان : اسم الشاعر . والمناسم : أطراف أخفاف البعير .
( 8 ) الوعساء والحلاحل والنقا : أسماء أمكنة .