حرفائه « 1 » : ما يمنعكم أن تعاودوا ما كنتم فيه ؟ قالوا : وكيف وأنت بعرفات ؟ فقال :
حمار بدرهمين ، وقد صرتم إلى الأمن والنزهة . فكانوا يركبون إليه حتى أفسد أحوال مكة . فعادوا يشكونه إلى الوالي ، فأرسل إليه فأتي به فقال : يا عدو اللّه طردتك من حرم اللّه فصرت بفسادك إلى المشعر الأعظم ! فقال : يكذبون عليّ ، فقالوا : دليلنا أن نأمر بحمير مكة تتجمع ويرسل بها مع أمنائك إلى عرفات فإن لم تقصد منزله من بين المنازل ، فنحن مبطلون .
فقال الوالي : إنّ هذا لشاهد ودليل . فجمع الحمر ، ثم أرسلها فصارت إلى منزله . فقال الأمير : ما بعد هذا شيء ، فجردوه فلما نظر إلى السياط قال : لا بد لك من ضربي ؟ قال : نعم ، قال : واللّه ما علي في ذلك أشد من أن يضحك منا أهل العراق ، ويقولون : أهل مكة يجيزون شهادة الحمير . فضحك الوالي .
قدم طباخ إلى بعض الفطناء طبقا وعليه رغيفان ، ثم قال له : ما تشتهي أن أجيء به ؟ فقال : خبز .
تكلم بعض القصاص فقال : في السماء ملك يقول كل يوم « لدوا للموت ، وابنوا للخراب » فقال بعض الفطناء : اسم ذلك الملك أبو العتاهية « 2 » .
كان بعض الظرفاء إذا سمع أحدا يتحدث حديثا باردا قال : اقطع حديثك بخير .
حضر في مجلس أبي سعد بن أبي عمامة رجل من اليمن فسأل أبا سعد أن يطلب له شيئا فطلب ، فلم يعطه أحد شيئا وكان مقصودهم بالامتناع أن يذكر الشيخ شيئا يضحكون منه ، فقال أبو سعد للسائل : من أين أنت ؟ فقال : من اليمن . فقال له : تكذب لست من اليمن . قال : بلى واللّه . فقال : لو كنت من اليمن لكان هؤلاء
هامش
( 1 ) حريف الرجل والجمع حرفاء : معامله في حرفته .
( 2 ) أبو العتاهية : هو إسماعيل بن القاسم بن سويد الشاعر المبدع المعروف . توفي سنة 211 ه . وقوله : « لدوا للموت وابنوا للخراب » هو صدر لبيت من الشعر وعجزه :
* فكلّكم يصير إلى ممات *