جالس على دكة في الطريق ، وبين يديه أدوية ومكاحل ، ومباضع وعلى رأسه مظلة خرق كما يكون الطب . فتقدم بعض أصحابنا إليه يعبث به فتغاشى وتماوت وتمارض ، وقال :
يا أستاذ يا أستاذ دفعات . فضجر الخادم ، وقال : فقولي : لا شفاك اللّه إن إيش أصابك ؟ أي طاعون ضربك ؟ فقال : يا أستاذ أجد ظلمة في أحشائي ومغصا في أطراف شعري ، وما آكله اليوم يخرج غدا مثل الجيفة ، فصف لي صفة لما أنا فيه . فقال الخادم : أما ما تجدين من مغص في أطراف شعرك فاحلقي لحيتك ، ورأسك جميعا حتى يذهب مغصك ، وأما ظلمة في أحشائك فعلقي على باب جحرك قنديلا يضيء مثل الساباط « 1 » ، وأما ما تأكلينه اليوم ويخرج غدا مثل الجيفة فكلي خراك واربحي النفقة .
قال : فعطعط « 2 » بنا العامة القيام وضحكوا منا وانقلب الطنز « 3 » الذي أردنا بالخادم فصار طنزا بنا فصار قصارنا الهرب فهربنا .
قال عمر بن شبة « 4 » : أتى معن بن زائدة « 5 » بثلاثمائة أسير فأمر بضرب أعناقهم فقدم غلام منهم ليقتل ، فقال : يا معن لا يقتل أسراك ، وهم عطاش ، فقال :
هامش
( 1 ) الساباط : سقيفة بين دارين تحتها طريق .
( 2 ) عطعط القوم : كثر صياحهم وقالوا : عيط عيط وهو حكاية صوت المجّان .
( 3 ) الطّنز : السخرية .
( 4 ) عمر بن شبة : هو زيد بن عبيدة بن ريطة النميري البصري ، أبو زيد ، شاعر ، راوية ، مؤرخ ، حافظ للحديث من أهل البصرة . توفي بسامراء سنة 262 ه .
( راجع ترجمته في إرشاد الأريب 6 : 48 ؛ وتهذيب التهذيب 7 : 460 ؛ والوفيات 1 : 378 ؛ وبغية الوعاة : 361 ؛ وتهذيب الأسماء واللغات ، الجزء الثاني من القسم الأول :
16 ؛ والأعلام 5 : 47 ) .
( 5 ) معن بن زائدة : أبو الوليد من أشهر أجواد العرب وأحد الشجعان الفصحاء . أدرك العصرين الأموي والعباسي . توفي سنة 151 ه .
( راجع ترجمته في وفيات الأعيان 2 : 108 ؛ وابن الأثير 5 : 224 ؛ والمرزباني :
400 ؛ وأمالي المرتضى 1 : 161 ؛ ونزهة الجليس 2 : 226 ) .