وفئة ثانية ، قوامها أصحاب الرأي والاجتهاد .
ويحذّر ابن المقفع من مغبة الاعتداد بالرأي في شؤون الناس وحياتهم .
أما الحلّ لفوضى القضاء ، فيجده ابن المقفع في ضرورة إحالة كل خلاف من هذا القبيل إلى الخليفة ، لدراسته ، وإصدار الحكم اللازم للحق فيه وإلزام القضاة في الأمصار ، بعد تدوينه وتعميمه ، بالسير عليه في الحوادث المشابهة .
وهكذا كان الأساس في نقد ابن المقفع أوضاع القضاء ، إراحة الحقوق على أهلها ، والعدل في الرعية بإيجاد دستور عام يتقيّد به ، فلا يحكم القضاة على هواهم ، باسم السنّة حينا ، وباسم الاجتهاد حينا آخر ، ورأيه في هذا الصدد ، يعتبر ذا مساس بأهمّية التشريع « 1 » في العصور الحديثة .
ويشير أحمد أمين إلى محاولات من هذا القبيل ، في عهد الرشيد ، ولا يرى أنها من ثمرات « رسالة الصحابة » لابن المقفع وحسب ، فالفكرة كانت تراود عمر بن عبد العزيز ، منذ العصر الأموي فقد ارتأى آنذاك جمع الحديث النبويّ واتخاذه قانونا .
* تنظيم الخراج
وممّا تناوله في هذه الرسالة أمر الخراج ، وهو الضريبة على الأرض .
وقد دعا ابن المقفع إلى تنظيمه ، عن طريق مسح الأرض ، وتعيين القسط المفروض عليها ، وتسجيل ذلك في أصول محفوظة معتمدة ، وأن يوكل الخراج للأعفاء الأمناء ، فتحسم أسباب كل نزاع وتذمر .
وفي الكتاب مسائل أخرى ، من الإصلاح ، متفرّقة ، تعتبر في مجموعها مع ما أوردنا - مخططا إصلاحيا يوجب الإشادة بعقلية ابن المقفع البناءة .
ولكن الملاحظ أن هذه الآراء كانت سباقة بالنسبة لعصره ، وربما كانت سببا في مصرع صاحبها - كما أشار طه حسين - فلعلّ الخليفة رأى فيها برنامجا للثورة على الخلافة العباسية ، وليس برنامجا لإصلاح المفاسد ، والعلل المستعصية .
ومهما يكن ، فقد تركت رسالة الصحابة في اعتقادنا ، صداها - بدليل أن
هامش
( 1 ) كتاب الخراج لأبي يوسف - أحمد أمين ضحى الإسلام الجزء الأول ص 223 .