الدنيا » وإن لا يرغب إلا في ما يصلح معاشه ، أو يؤمن زاد معاده ، أو ينال سرور قلبه من غيس مأثمة .
وفي الكتاب ما يدل على إكبار ابن المقفع للعقل ، فتجده في ما ينهى عنه وفي ما يدعو إليه ، كثير الإجلال لخطره ، شديد التحذير من التخلّي عنه :
فإغفال المرء لمنزلة العقل « أشدّ الفاقة » ، فهو مقدّم على المال والغنى ، لأن العقل هو الحارس للمال ، ولذا فهو يفضله ، « لأنه يحرز الحظ ، ويؤنس الغربة ، وينفي الفاقة ، ويعرّف الفكرة ، ويثمر المكسبة ، ويطيّب الثمرة ، ويوجه السوقة عند السلطان . . ويكسب الصديق ، ويكفي العدو » .
* وترى ابن المقفع يرجّح العقل في سائر المواقف ، وفي كل المقاييس .
فهو في سياسة الملك أفلاطوني المنهج يضع العقلاء ذوي المعرفة في المرتبة الأولى ، ويرى أن « أحق الناس بالسلطات أهل المعرفة ، وأحقّهم بالتدبير العلماء » .
وشيء متصل بالعقل سياسة الرأي ، فلا يفوته أن يحذر العقلاء من عيوب ، كالاعتداد بالرأي والاستهانة بالخطإ الصغير ، وأن الصغير يوشك أن يكون كبيرا ، وهو يقول « العجب آفة العقل » . . .
وينهى العاقل عن المضيّ في رأي أملاه الهوى لأن « الرأي والهوى متعاديان » .
ويلحّ في التحذير من مخاطر الأهواء فيقول « إذا هممت بخير فبادر هواك ، لا يغلبك ، وإذا هممت بشر فسوّف هواك ، لعلك تظفر » .
وهو لا يفتأ بطري العلم والأدب . فالأول « زين لصاحبه في الرخاء ومنجاة له في الشدة » والثاني به « تعمر القلوب » .
وينصح ابن المقفّع بالمشورة لأن « المستشير - وإن كان أفضل من المستشار رأيا - فهو يزداد برأيه رأيا ، كما تزداد النار بالودك ضوءا » « 1 » ومن هنا يتضح لك مقتة للطغيان والاستبداد .
*
هامش
( 1 ) الودك : الدهن والشحم .