بها في ما نذكرك حاجة أول ما فيها معروف تستوجب به الشكر علينا وتدخر به الأيادي قبلنا .
* ( 17 ) ومن رسالة له إلى يحيى بن زياد ( الحارثي )
ابتدأها في المؤاخاة ، أما بعد :
فإن أهل الفضل في اللب والوفاء في الود والكرم في الخلق لهم من الثناء الحسن في الناس لسان صدق يشيد بفضلهم ، ويخبر عن صحة ودّهم وثقة مؤاخاتهم ، فيتخير إليهم رغبة الأخوان ويصطفي « 1 » لهم سلامة صدورهم ويجتبى لهم ثمرة قلوبهم فلا مثني أفضل تقريظا ولا مخبر أصدق أحدوثة منه .
وقد لزمت من الوفاء والكرم في ما بينك وبين الناس طريقة محمودة نسبت إلى مزيتها في الفضل وجمل بها ثناؤك في الذكر ، وشهد لك بها لسان الصدق فعرفت بمناقبها ووسمت بمحاسنها فأسرع إليك الأخوان برغبتهم مستبقين ، يبتدرون ودك ويصلون حبلك ابتدار أهل التنافس في حظ رغيب نصبت لهم غاية يجري إليها الطالبون ، ويفوز بها السابقون . فمن أثبت اللّه عندك بموضع الحرز « 2 » والثقة ، وملأ بك يده من أخي وفاء ووصلة واستنام منك إلى شعب مأمون ، وعهد محفوظ ، وصار مغمورا بفضلك عليه ، في الودّ يتعاطى من مكافأتك ، ما لا يستطيع ويطلب من أثرك في ذلك غاية بلوغها شديد .
فلو كنت لا تؤاخي من الأخوان إلا من كافأ بودك وبلغ من الغايات حدك ما آخيت أحدا ولصرت من الأخوان صفرا ولكنّ إخوانك يقرّون لك بالفضل وتقبل « 3 » أنت ميسورهم من الودّ ولا تجشمهم « 4 » كلف مكافأتك ولا بلوغ فضلك في ما بينك وبينهم ، فإنما مثلك في ذلك ، ومثلهم كما قال الأول :
هامش
( 1 ) يصطفي : يختار وينتقي ما هو أفضل وأمثل .
( 2 ) الحرز : الموضع الحصين .
( 3 ) تقبل ميسورهم : ترضى بهم .
( 4 ) جشّمهم : كلّفهم المشقة والعناء .