أتاهم به تنزيل ولكنّ اللّه منّ عليهم بدينهم الذي لم يكن يسعه رأيهم كما قال عباد اللّه المتقون : وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه .
ثم جعل ما سوى ذلك من الأمر والتّدبير إلى الرأي ، وجعل الرأي إلى ولاة الأمر ليس للنّاس في ذلك الأمر شيء إلا الإشارة عند المشورة والإجابة عند الدّعوة والنّصيحة بظهر الغيب .
ولا يستحق الوالي هذه الطاعة إلا بإقامة العزائم والسّنن ممّا هو في معنى ذلك .
ثمّ ليس من وجوه القول وجه يلتمس فيه ملتمس إثبات فضل أهل بيت أمير المؤمنين على أهل بيت ( من سواه ) وغير ذلك ممّا يحتاج الناس إلى ذكره إلا وهو موجود فيه من الكلام الفاضل المعروف مما هو أبلغ ممّا يغلو فيه الغالون فإنّ الحجة ثابتة والأمر واضح بحمد اللّه ونعمته .
* النظر في صلاح حال الجند
وممّا ينظر فيه لصلاح هذا الجند ألا يولي أحدا منهم شيئا من الخراج « 1 » ، فإنّ ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة
ولم يزل النّاس يتحامون ذلك منهم وينحونه عنهم لأنّهم أهل دالّة ودعوى بلاء .
وإذا جلبوا الدراهم والدنانير اجتروا عليهما ، وإذا وقعوا في الخيانة صار كلّ أمرهم مدخولا نصيحتهم وطاعتهم فإن حيل بينهم وبين وضعه أخرجتهم الحمية « 2 » مع أن ولاية الخراج داعية إلى ذلّة وعقوبة وهوان . وإنما منزلة المقاتل منزلة الكرامة واللطف .
ومما ينظر فيه من أمرهم أنّ منهم من المجهولين من هو أفضل من
هامش
( 1 ) الخراج : الإتاوة ، وأصل الخراج ما يخرج من غلّة الأرض .
( 2 ) الحميّة : الإباء والأنفة والمروءة والنخوة .