يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ -
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
أَنَّكَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ -
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
« 1 » فَلَمَّا جَحَدُوا مَا عَرَفُوا ابْتَلَاهُمُ [ اللَّهُ ] بِذَلِكَ فَسَلَبَهُمْ رُوحَ الْإِيمَانِ وَأَسْكَنَ أَبْدَانَهُمْ ثَلَاثَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْقُوَّةِ وَرُوحَ الشَّهْوَةِ وَرُوحَ الْبَدَنِ ثُمَّ أَضَافَهُمْ إِلَى الْأَنْعَامِ فَقَالَ
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ
« 2 »
شرح
الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن "الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ" كلام مستأنف والحق إما مبتدأ خبره من ربك ، واللام للعهد والإشارة إلى ما عليه الرسول أو الحق الذي يكتمونه ، أو للجنس والمعنى أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدإ محذوف أي هو الحق ومن ربك حال أو خبر بعد خبر ، وقرأ بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول يعلمون .
"فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به ، وليس المراد به نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشك فيه لأنه غير متوقع منه ، وليس بقصد واختيار ، بل إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك ، على الوجه الأبلغ .
قوله : والولاية ، أي يعرفون محمدا بالنبوة وأوصياءهم بالإمامة والولاية ، وإنما اكتفى بذكر محمد لأن معرفته على وجه الكمال يستلزم معرفة أوصيائه ، أو لأنه الأصل والعمدة " إنك الرسول إليهم " بيان للحق ، وفي البصائر الحق من ربك الرسول من الله إليهم بالحق ، والظاهر أن قراءتهم عليهم السلام كان على النصب " ابتلاهم الله بذلك " أي بسبب ذلك الجحود ، فقوله : فسلبهم بيان للابتلاء .
وأقول : يحتمل أن يكون الغرض من ذكر الآية بيان سلب روح الإيمان من هؤلاء بقوله تعالى : "فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" فإن الظاهر أن هذا تعريض لهم
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 147 .
( 2 ) سورة الفرقان : 44 .