تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وبعد أن تتعاقب الآيات في حق هذا الرجل وحق من شاركه في تلك المقالة من أهل الكتاب ، يتجه السياق القرآني إلى آية جديدة في مقطع جديد يدور الحديث فيه حول أداء الأمانات إلى أهلها ، فيقول اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
« 1 » ، وإنما نزلت هذه الآية - كما يقول المفسرون - في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري حاجب الكعبة لما أخذ منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه « 2 » ، وما دامت هذه الآية قد نزلت في الفتح وتلك نزلت في قصة كعب بن الأشرف عقب بدر ، فإن بينهما ست سنين ، فلم جعلت هذه إلى جنب تلك ؟ ولم قفّي هذا الموضوع بذلك رغم الفاصل الزمني البعيد ؟ ! إن العلماء المحققين ليجدون الرابط المشترك بين هذين المقطعين ، فيكادون يستخرجون منهما موضوعا واحدا محكم البناء ، متلاحم الأجزاء ، آخذا بعضه بأعناق بعض ، إذ يرون مثلا أن الذين تملقوا عواطف المشركين وقالوا لهم : أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، هم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم وصفته ، وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا تلك الأمانة فخانوها ولم يؤدوها ، وكانت حالهم في الخيانة كحال الذين يحمّلون الأمانات ثم لا يحملونها ، وناسب أن يدعوا ويدعى معهم كل إنسان إلى استشعار معنى الأمانة في كل ما كان عنه مسؤولا « 3 » . لعل المفسرين إذن لم يبالغوا حين قدموا أحيانا ذكر المناسبة بين الآيات على معرفة سبب نزولها ، كلما رأوا هذه المناسبة هي المصححة لنظم الكلام ، ولعلهم بلغوا ذروة التحقيق العلمي حين أوجبوا البداءة بذكر سبب النزول
هامش
( 1 ) سورة النساء 58 . ( 2 ) تفسير ابن كثير 1 / 515 . وقارن بتفسير الطبري 5 / 91 - 92 . ( 3 ) قارن بقول الفقيه المالكي أبي بكر بن العربي في تفسيره : « وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقولهم : إن المشركين أهدى سبيلا ، فكان ذلك خيانة منهم ، فانجر الكلام إلى ذكر الأمانات » . ذكره الزركشي في البرهان 1 / 26 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 150 | صبحي الصالح