قوله تعالى :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا
. فجرى « ترونهم » على الخطاب في « لكم » والمخاطب هم المسلمون . فإن قيل : كان يلزم على هذه القراءة أن يقرءوا « مثليكم » أقول : ذلك لا يجوز ، لأن القراءة مبنية على التوقيف ، والسماع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا لم يرد ، وقد جرى الكلام على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وهذا الأسلوب شائع في لغة العرب ، وهو ضرب من ضروب البلاغة العربية ، وهناك أمثلة كثيرة لذلك في القرآن الكريم ، مثال ذلك قوله تعالى :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
( سورة يونس آية 22 ) . فهذا خطاب ، ثم التفت إلى الغيبة وقال :
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
. ومثله قوله تعالى :
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ
( سورة الروم آية 39 ) فهذا خطاب ، ثم التفت إلى الغيبة وقال :
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
.
والهاء والميم في « مثليهم » يحتمل أن تكون للمشركين ، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد ، وهذا بعيد في المعنى ، لأن اللّه لم يكثّر المشركين في أعين المؤمنين ، لأنه أخبرنا أنه قلل المشركين في أعين المؤمنين ، يشير إلى ذلك قول اللّه تعالى :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
( سورة الأنفال آية 44 ) .
ويحتمل أن تكون الهاء ، والميم في « مثليهم » للمسلمين ، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما هم عليه من العدد ، أي ترون أنفسكم من الكثرة مثلي عددكم ، وهذا المعنى عظيم ، وحينئذ يكون المعنى أن اللّه سبحانه وتعالى خيّل لهم ذلك لتقوى عزيمتهم على لقاء الكفار ، ويجرءوا على قتالهم .
وقرأ الباقون « يرونهم » بياء الغيب ، وذلك لأن قبله لفظ الغيبة ، وهو قوله تعالى :
فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ
فحمل آخر الكلام على أوله .
والواو في « يرونهم » للكافرين ، والهاء والميم للمسلمين ، كما أنّ الهاء والميم في « مثليهم » للمسلمين أيضا . والمعنى : يرى الكفار المسلمين في « غزوة بدر » الكبرى مثلي عددهم ، كي تضعف عزيمتهم ، ويدبّ في قلوبهم الرعب والخوف ، وعلى ذلك يكون انتصاب « مثليهم » على الحال .