فاتحة :
لولا نسب لي في الشيوخ عريق ، لتهيبت التصدي لهذا الموضوع الدقيق الصعب الذي توارد عليه أئمة من علماء السلف أفنوا أعمارهم في خدمة القرآن الكريم ، وقدموا إلى المكتبة الإسلامية ثمار جهودهم السخية الباذلة .
ولولا ما أعلم من مكانة جليلة للمرأة المسلمة في تاريخنا ، لأحجمت عن التقدم إلى هذا الميدان الجليل ، إشفاقا من أن ينكر مكاني فيه . . .
مع الكتاب المعجزة عشت عمرى كله ، وفي المدرسة القرآنية كانت تلمذتى الطويلة التي تولاها أبى في مراحلها الأولى . وإليها انتهى تخصصى في الدراسة العليا التي وجهني إليها أستاذي الإمام « أمين الخولي » وظل لمدى ثلث قرن يقود خطاى على الطريق الشاق ، ويحمينى من عثرة الرأي ومزالق التأويل وسطحية النظر ، ويأخذني بضوابط منهجه الدقيق الصارم الذي لا يجيز لنا أن نفسر كلمة من كلمات اللّه تعالى دون استقراء لمواضع ورودها بمختلف صيغها في الكتاب المحكم ، ولا أن نتناول موضوعا قرآنيّا أو ظاهرة من ظواهره الأسلوبية ، دون استيعاب لنظائرها وتدبر سياقها الخاص في الآية والسورة ، وسياقها العام في القرآن كله .
* * * وقد شغلتني قضية الإعجاز البياني دون أن أتجه إليها قصدا : فأثناء اشتغالى بالتفسير البياني والدراسات القرآنية ، تجلّى لي من أسراره الباهرة ما لفتنى إلى موقف العرب الأصلاء من المعجزة القرآنية في عصر المبعث ، ووجهني إلى محاولة منهجية في فهم عجزهم عن الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن ، وقد تحداهم أن يفعلوا ، والعربية لغته ولغتهم ، والبيان طوع ألسنتهم .
وهم لا ريب قد أدركوا من أسرار إعجازه البياني ، ما أيأسهم من محاولة