ومصائب الإنسان في نضوب القلوب والأرواح والنفوس أعظم من معاناته في فقر غذاء الأجسام ، ونتيجة سوء التوزيع لموارد الأرض على عباد الله .
وكلّ منها معاناة وعذاب للإنسان ، مهما كان الفقر والعجز ، سواء كان في غذاء الأجسام ، أم العقول ، أم القلوب .
ولكن مصيبة الإنسان العظمى هو في نضوب الروافد التي تروي القلوب وتحييها وتنعشها أعظم من مصيبته في العجز الاقتصادي والعلمي ، وإن كان كلّ من ذلك مصيبة في حياة الإنسان .
وهذه المائدة التي أعدّها الرحمان تعالى لعباده في شهر رمضان وذيالحجة من نوع موائد القلوب ، تحفل بما يحُي القلوب ، ويفعّلها ، وينشّطها ويهبها البصيرة ، والنور ، والهداية ، واليقين بالله ، والاقبال على الله بالذكر والدعاء ، والشوق إلى الله ، والأنس بذكر الله ، وحبّ الله ، وحبّ أوليائه ، ومقت أعدائه ، وأعداء أوليائه ، وترقيق القلوب للإنابة ، والاخبات والخشوع لله ، ومخافة الله ، ورجاء الله ، والتوبة ، والزهد عن الدنيا وحطامها ، وقصر الأمل فيها ، والاقبال على الصلاة ، والانفاق ، وطول السجود ، والبكاء بين يدي الله ، وما لا أستطيع إحصاءه من مواهب الله لعباده في هذه الضيافة الربانية التي يستضيف الله فيها عباده مرتين في السنّة .
ومن عجب أنّ الجوع والعطش والكفّ عن الأهواء والشهوات ، والكدح والبذل والجهد والتعبّد في هاتين الضيافتين هو السبيل إلى استنزال هذه المواهب العظيمة المباركة من خزائن رحمة الله .
( وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
. « 1 »
( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )
. « 2 »
هامش
( 1 ) التغابن : 7
( 2 ) الحجر : 21