ويدلّ على ذلك قوله سبحانه :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
« 1 » ، ويقول سبحانه :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 2 »
روى القرطبي في تفسير قوله سبحانه :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ
أنّ عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فأمتني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة ، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أُمّ الكتاب » . « 3 »
فعلى هذا فالبداء بهذا المعنى عقيدة إسلامية عامّة .
لكن يقع الكلام : لماذا عُبّر عنه بالبداء ، فيقال : بدا لله ، حيث إنّ معناه : ظهر لله ما خفي عليه .
ومن المعلوم أنّه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، والجواب عن ذلك بوجهين :
الأوّل : أنّ هذا التعبير اقتباس من كلام النبي الخاتم ( ص ) حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله ( ص ) قال :
« إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص . . . إلى آخر ما ذكره » . « 4 »
) الثاني : انّ هذا التعبير من باب المشاكلة نظير قوله سبحانه :
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
« 5 » ، وقوله سبحانه :
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً
« 6 » ، وقوله سبحانه :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
« 7 » ، وهذا من مظاهر البلاغة فإنّ الإنسان إذا ظهر ما خفي عليه يعبّر عنه بالبداء ويقول : بدا لي ، كذلك فالله سبحانه يعبّر عمّا ظهر للناس بعد ما خفي عنهم بالبداء ويقال :
هامش
( 1 ) . الرعد ، آية 39 .
( 2 ) . الأعراف ، آية 96 .
( 3 ) . القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 9 ، ص 330 ، تفسير سورة الرعد .
( 4 ) . البخاري ، صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 171 ، كتاب أحاديث الأنبياء ، الباب 53 ، برقم 2464 .
( 5 ) . آل عمران ، آية 54 ؛ الأنفال ، آية 30 .
( 6 ) . الطارق ، آيات 15 و 16 .
( 7 ) . التوبة ، آية 67 .