تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوسل مفهومه وأقسامه وحكمه — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
ترى أنّ اللَّه يخبر على وجه القطع والبت بأنّ الرجفة أهلكت أُمة صالح عليه السلام فأصبحوا في دارهم جاثمين ، وبعد ذلك يخبر أنّ النبي صالح تولّى عنهم ثم خاطبهم قائلًا :
« لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ »
. والخطاب صدر من صالح لقومه بعد هلاكهم ، وموتهم بشهادة جملة
« فَتَوَلَّى »
المصدرة بالفاء المشعرة بصدور الخطاب عقيب هلاك القوم . ثم إنّ ظاهر قوله :
« وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ »
يفيد أنّهم بلغت بهم العُنجهية أن كانوا لا يحبّون الناصحين حتى بعد هلاكهم .

2 - مخاطبة النبي شعيب قومه الهالكين :

لم تكن قصة النبي صالح هي القصة الوحيدة من نوعها في القرآن الكريم ، فقد تبعه في ذلك « شعيب » إذ خاطب قومه بعد أن عمّهم الهلاك ، قال سبحانه :
« فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ »
( الأعراف / 91 - 93 ) . وهكذا يخاطب شعيب قومه بعد هلاكهم ويكون صدور هذا الخطاب بعد هلاكهم بالرجفة . فلو كان الاتصال غير ممكن ، وغير حاصل ، ولم يكن الهالكون بسبب الرجفة سامعين خطابَ صالح وشعيبَ ، فما معنى خطابهما لهم ؟ أيصح أن يفسّر ذلك الخطاب بأنّه خطاب تحسّر وإظهار تأسف ؟
التوسل مفهومه وأقسامه وحكمه — صفحة 48 | الشيخ جعفر السبحاني