فلمّا بلغ النّبيّ ( ص ) ذلك أرسل إليهم مَن يثبت له الأمر . فرجعوا إليه وأخبروه بأنّ ما بلغه صحيح ؛ فاشتدّ الأمر على المسلمين ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وعظم البلاء ، ونَجَم النّفاق « 1 » وكثر الخوض ، وبلغت القلوب الحناجر .
وقال المنافقون والّذين في قلوبهم مرض :
« ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً »
« 2 » وكان أمير المؤمنين ( ع ) على العسكر كلّه باللّيل يحرسهم ؛ فإن تحرّك أحدٌ من قريش نابذهم . وكان النّبيّ ( ص ) يحرس بنفسه بعض مواضع الخندق .
ولم يكن بين المسلمين والمشركين قتال إلّا الرّمي بالنّبل والحصا . وكان المشركون يتناوبون على الخندق ، فلا يمكنهم عبوره والمسلمون يمنعونهم بالنّبل والحجارة .
وقد انتدب فوارس من المشركين فأتوا مكاناً ضيّقاً من الخندق وأكرهوا خيلهم على عبوره ، فعبره عِكْرَمة بن أبي جهل ، وعمرو بن عبدِوَدّ ، وضرار بن الخطّاب الفهري ، وهيبرة بن أبي وهب ، وحسل بن عمرو بن عبدودّ ، ونوفل بن عبد الله المخزومي .
فخرج أمير المؤمنين ( ع ) في نفر من المسلمين ، حتّى أخذوا عليهم الثّغرة الّتي اقتحموها ، وطلب عمرو بن عبدوَدّ البراز فلم يبرز إليه أحد من المسلمين ، وخافوا منه خوفاً شديداً ، لما يعرفون من شجاعته وكان يعدّ بألف فارس . وطلب علي ( ع ) من النّبيّ ( ص ) أن يأذن له بمبارزته ، فلم يأذن له .
فكرّر النّداء ، وأنشد الشّعر ، وعيّر المسلمين المحجمين عنه ، فطلب علي ( ع ) الإذنَ مرّة أخرى ، فلم يأذن له الرّسول ( ص ) .
فلمّا كان في المرّة الثّالثة ، ولم يبادر إلى ذلك سوى علي ( ع ) أذن له النّبيّ ( ص ) وعمّمه ودعا له وقال : « برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه » . فبارز
هامش
( 1 ) 1 . نجم النّفاق : ظهر
( 2 ) . الأحزاب : 12 .