أمّا الأوّل فلا شكّ انّ الإنسان الواقع في إطار التربية إذا كان إنساناً يافعاً أو في عنفوان الشباب يكون قلبه وروحه كالأرض الخالية تنبت ما أُلقي فيها ، فربما تُكوّن الصحبةُ شخصية كاملة تعدّ مثلًا للفضل والفضيلة ، وهذا بخلاف ما إذا كان طاعناً في السن ، واكتملت شخصيّته الروحية والفكرية ، فإنّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها واتجاهاتها ، أمر صعب ، فيكون تأثير الصحبة أقل بمراتب من الطائفة الأُولى .
وأمّا الثاني - أعني : الاختلاف في الاستعداد - فهو أمر لا يحتاج إلى البيان ، فكما أنّ البشر يختلفون في تقبّل العلم ، فهكذا هم يختلفون في مقدار قبول الهداية الإلهية ، ولهذا نرى أنّ من تخرّجوا عن مدرسة الرسول يختلفون إيماناً وإيثاراً وأخلاقاً وسلوكاً .
وأمّا الثالث - أيمقدار الصحبة - فقد كانوا مختلفين فيه ، فبعضهم صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة ، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة ، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة ، فهل يصحّ أن نقول : إنّ صحبة ما ، قلعت ما في نفوسهم جميعاً ، من جذور غير صالحة وملكات ردية ، وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح ؟ !
وهذه العوامل تدلّ على أنّ تأثير صحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن على نحو يجعل الجميع على حدّ سواء من الإيمان والفضل والتقوى والإيثار
دليل المرشدين إلى الحق اليقين — صفحة 328
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٢٨