فإنَّ السير باتجاه ذلك المقصد لن يحدَّه حدٌّ ، ولا يُوقفه إلا مقدار الداعي الماضي في وجوده السعي « 1 » بفعل الكمالات المُزوَّد بها في السير الأسمائي .
المقدّمة الثانية : إنَّ القدر المُتيقَّن من هذا السير المعارفي الأسمائي هو وقوعه في عالم الظاهر والحسّ ، وأما بقية العوالم الأُخرى ، الملكوتية والجبروتية واللاهوتية « 2 » ، فإنّ السير المعارفي فيها هو مُقتضى حكمته وعدله الإلهي .
توضيح ذلك : أمَّا بمقتضى حكمته فذلك لأنّ أصل الخلق إنَّما كان لأجل طلب معرفته سبحانه ، حيث ورد ذلك في الحديث القدسي : «
كنت كنزاً مَخفيّاً ، فأحببتُ أن أُعرف ؛ فخلقت الخلق لأُعرف » « 3 » ،
وقد خرج الإمام الحسين ( عليه السلام ) يوماً إلى أصحابه فقال لهم : «
أيُّها الناس إنّ الله جلّ ذكره ما خلق الخلق إلّا ليعرفوه . . . » « 4 » ،
وأما بمُقتضى عدله فإنّ التكليف بمعرفته
هامش
( 1 ) الوجود السِّعي اصطلاح يُراد به الوجود الحقيقي بلحاظ نفس الطبيعة ، بقطع النظر عن خصوصيات الفرد ، ولكنَّ المراد به في المقام الوجود المعرفي للإنسان القابل للسعة والضيق ، فالإنسان العارف سعته الوجودية أعظم من المتعلّم العادي ، وليس المراد هنا الوجود العنصري ، وإنّما خصوص الرقعة المعرفية ، فالإنسان بوجوده السعي المعرفي يُمكنه أن يستشرف عوالم جمّة ، سواء كانت حسّية أم مجرّدة .
( 2 ) تعرّضت الفلسفة الإلهية إلى بيان عوالم أربعة في الوجود ، وهي : عالم المادّة والملك ، عالم المثال والملكوت ، عالم العقل والجبروت ، عالم الربوبية واللاهوت ، والعوالم الثلاثة الأُولى تحكي العالم الرابع الذي يُسمّى بالعالم مُسامحة ، وسوف تكون هنالك وقفة أُخرى عند العوالم الثلاثة الأُولى في الفصل السابع ، فانتظر .
( 3 ) شرح أصول الكافي الجامع ، للمولى محمد صالح المازندراني ، تعليق : أبو الحسن الشعراني : ج 1 ، ص 22 .
( 4 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 312 .