أنفسهم ابتداءً ، ولكن بما يُناسب أحوالهم وكمالاتهم ، حتّى في الأدعية التي يصفون فيها أنفسهم بالتقصير ، فإنَّهم لشدَّة عبوديّتهم لله وخشيتهم منه يرون أنفسهم مقصّرين ، وهذا هو سمتُهم وقمّة تواضعهم لله تعالى .
الجواب الثالث : إنَّهم ( عليهم السلام ) كانوا حريصين جدّاً على نيل رضاه سبحانه وإتمام الأجر الأُخروي لهم ، فكان الرضا بما يُصيبهم والتحمُّلُ والصبرُ على ذلك سجيةً منهم ، وخُلُقاً عُرفوا به ، وبه امتازوا عمَّن سواهم ، وقد مرّ بنا دعاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيث جاء في ذيله : «
لك الحمدُ حتّى ترضى وبعد الرضى ، ولا حول ولا قوّة إلا بك
» ، وهكذا نجد سبطَهُ وريحانتَهُ الإمام الحسين ( عليه السلام ) يُناجي ربّه في يوم عرفة : «
لك العتبى لك العتبى « 1 » حتّى ترضى
» « 2 » ، ليمضي إلى ربّه وهو مخضّب بدمه الزاكي «
هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله وأنا مخضّب بدمي » « 3 »
ولسان حاله يقول :
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
( طه : 84 ) ، فربحت تجارتُه وصفقتُهُ في لوحة الطفّ الخالدة ، لوحة الحبّ والتفاني والإيثار .
وقد كان الإمام عليّ السجّاد ( عليه السلام ) يُطأطئ رأسه ويخضع برقبته الشريفة ثمّ يقول : «
وها أنا ذا بين يديك ، فخذ لنفسك من نفسي حتّى ترضى » « 4 » .
هامش
( 1 ) العُتْبَى : المؤاخذة ، والمعنى : أنت حقيق بأن تؤاخذني بسوء أعمالي .
( 2 ) من دعائه ( عليه السلام ) في يوم عرفة .
( 3 ) مقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) للسيّد عبد الرزّاق المقرّم ، دار الثقافة ، ط 2 ، 1411 ه - ، قم : ص 279 .
( 4 ) الصحيفة السجّادية ، مصدر سابق : ص 166 .