وليكن معلوماً أنّ نظريّة أكثر علماء المسلمين - بل الأعمّ الأغلب - تتّفق على أنّ الله سبحانه وتعالى ليس له حَدّ ، وليس له جسم ، وليس له شكل ، وسيأتي بيان ذلك .
وتوصيف الله سبحانه وإثبات الحَدّ له ، مسألة لا ترتبط بتوحيد الأسماء والصفات ، ولا بتوحيد الربوبيّة ، ولا بتوحيد الألوهيّة ، بل هي مسألة مرتبطة بحقيقة الله تعالى ، وبالتوحيد الذاتي ، لا بالتوحيد الأسمائي والصفاتي .
وقد صرّح ابن تيميّة بهذا المعنى في كتابه ( بيان تلبيس الجهميّة ) حيث يقول : ( إنّ هذا الكلام الذي ذكره - المستشكل - إنّما يتوجّه لو قالوا إنّ له صفة هي « الحَدّ » ، كما توهّمه هذا الرادّ عليهم ؛ وهذا لم يقله أحد ، ولا يقوله عاقل ، فإنّ هذا الكلام لا حقيقة له ، إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات - كما يوصف باليد والعلم - صفة معيّنة يقال لها « الحَدّ » ، وإنّما الحَدّ ما يتميّز . . . ) « 1 » .
إذن ، الحَدّ ليس من التوحيد الصفاتي ، وإنّما يرتبط بالتوحيد الذاتي .
وهذا الأصل والركن الأوّل في نظريّة المجسّمة ( أنّ له حَدّاً ) يعتبر الأرضيّة الأساسيّة للإيمان بأنّ الله له مكان . فبعد أن آمن أتباع هذه النظريّة بأنّ الله تعالى له حَدّ ، التزموا بأنّ له مكاناً ، ومكانه هو استواؤه على العرش وجلوسه عليه .
ما هو المراد من الحدّ ؟
معنى الحَدّ للشيء : أنّ له انتهاءً . فلو وضعت يدك على جسم ، ستجد أنّ له وجوداً في منطقة معيّنة ، وإذا سرتَ ووصلت إلى نهايته يصبح هذا الجسم
هامش
( 1 ) بيان تلبيس الجهميّة : ج 3 ، ص 42 .