أمّا النوم في فراش النبيّ صلى الله عليه وآله والتضحية بالنفس في سبيل الهدف المقدّس فهو شأن الرجال العظام الذين يُؤثِرون بقاء الدِّين ونصرته على أيّ شيءٍ آخر ، وفي تلك الظروف لم يكن لأحدٍ أن يتصدّى لتلك المهمّة العظيمة غير عليّ عليه السلام . ولذلك جعله النبيّ صلى الله عليه وآله في مكان نومه حتّى يوهم الأعداء ببقائه وعدم مغادرته لبيته . وقد أثنى القرآن الكريم على تلك التضحية العظيمة من أمير المؤمنين عليه السلام بقوله تعالى :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ »
« 1 » .
لذا فإنّ هذا العمل العظيم الذي قام به الإمام عليه السلام والذي قلَّ نظيره في تاريخ البشريّة ، لا يمكن اعتباره عملًا عديم الأهمّية - كما توهّم السائل - وأنّه يدلّ على عدم اهتمام النبيّ صلى الله عليه وآله بشخص عليّ عليه السلام بحيث جعله في معرض الخطر ، فهذا كلامٌ بعيد كلّ البُعد عن الإنسانيّة وروح الإنصاف والعقلانيّة .
أمّا ما ربما يقال بأن علياً علم بأنّه لا يُقتل . . . فهو كلامٌ بلا أساس ، لأنّ ذلك جاء في التاريخ بشكلٍ مغاير ، فبعد ليلة الهجرة بليلتين تشرّف الإمام عليّ عليه السلام - وكان بصحبته هند بن أبي هالة - بزيارة النبيّ صلى الله عليه وآله في إحدى الليالي ، حيث قال له النبيّ صلى الله عليه وآله : « إنّهم لن يصلوا إليك من الآن بأمرٍ تكرهه » « 2 » ؛ فقوله لن يصلوا . . . الخ ، دليل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر علياً عليه السلام بأنّه لا يصل إليه أي مكروه من تلك الساعة دون الساعات المتقدمة فقد كان الخطر محدقاً به .
هامش
( 1 ) . البقرة : 207 . لاحظ : أُسد الغابة : 4 / 25 .
( 2 ) . جاء بهذه الجملة ابن هشام والطبري وابن الأثير .