إنّ إقامة العزاء على الأحبّة والبكاء عليهم أمر ينبع من الفطرة الإنسانيّة السليمة ، وهي على الأنبياء والمرسلين والأشخاص المهمّين أولى وأجدر ، فالتاريخ يذكر :
أنّه لمّا رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من أُحد سمع نساء الأنصار يبكين ، فقال :
« لكن حمزة لا بواكيَ له » ، فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة . « 1 » وعن أُسامة بن زيد أنّ ابنةً لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله أرسلت إليه وأنا معه وسعد وأحسب أُبيّاً ، أنّ ابني أو ابنتي قد حُضر فأشهدنا ، فأرسل يقرئ السلام ، فقال : « قل للَّهما أخذ وما أعطى ، وكلّ شيء عنده إلى أجل » فأرسلتْ تُقسم عليه ، فأتاها فوُضع الصبيّ في حِجر رسول اللَّه ونفسه تقعقع ، ففاضت عينا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال له سعد : ما هذا [ يا رسول اللَّه ] ؟ قال : « إنّها رحمة ، وضعها اللَّه في قلوب مَنْ يشاء ، وإنّما يرحم اللَّه من عباده الرُّحماء » . « 2 » أمّا بالنسبة لموت الشخصيّات العظيمة من القادة الإلهيّين فله شأنٌ آخر يُحسب له حساب كبير يتلاءم مع مكانتهم ومنزلتهم . وإقامة العزاء والحُزن عليهم ليس معناه الجزع على فقدهم ، بل هو نوع من الدفاع عن منهجهم والدعوة إلى السير على طريقهم وتحقيق أهدافهم ، فهم كانوا الحُماة الحقيقيّين عن الإسلام والمدافعين عنه ، ولم يهادنوا الظالمين أبداً من أمثال الأمويّين والعبّاسيّين حتّى غرفوا من كأس الشهادة . فمراسم الحزن ومجالس العزاء عليهم تهدف إلى إحياء منهجهم . وكلّ نوع من أنواع النوح والندب
هامش
( 1 ) . مجمع الزوائد : 6 / 120 « يقال إنّ ذلك كان قبل بكاء صفيّة على حمزة » .
( 2 ) . سنن أبي داود : 2 / 64 ، برقم 3125 ؛ مسند أبي داود الطيالسي : 235 .