صلواتنا :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ،
ومع ذلك كلّه ، فإنّ حياة البشر - فضلا عن المسلمين - لا تستغني عن الاستعانة بالغير . فكيف الجمع بين حصرها في اللّه ، وكون التعاون أساس الحياة ؟
وبعبارة أخرى إنّ الاستعانة بالغير تشكّل الحجر الأساس للحضارة الإنسانية حيث إنّ حياة البشر في هذا الكوكب قائمة على أساس التعاون ، وإنّ العقلاء يتعاونون في أمورهم الحيوية .
وهذا هو العبد الصالح ذو القرنين استعان في بناء السد وقال :
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
« 1 » ، ومع ذلك كيف تحصر الاستعانة باللّه سبحانه ؟ !
والجواب : أنّ المعين حقيقة وفي عامّة الصور ، هو اللّه سبحانه ، فلو قام شخص بإعانة غيره ، فانّما يعين بقدرة مكتسبة وبإرادة من اللّه سبحانه .
وعلى ضوء هذا فالاستعانة بمن يعين بذاته ، وبقدرته الّتي هي عين ذاته ، مختصة باللّه سبحانه ؛ وأمّا الاستعانة بمن يعين بقدرة مكتسبة من اللّه سبحانه ، لا تؤثر إلّا بإذنه فهو يختص بالمخلوق . وكم في القرآن الكريم نظائر لهذا الأمر ، مثلا انّه سبحانه ينسب التوفّي لنفسه ويقول :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها .
« 2 »
وفي ذات الوقت ينسبه إلى الملائكة ويقول :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ .
« 3 »
فالتوفّي المنسوب إلى اللّه غير المنسوب إلى رسله ، فالتوفّي الصادر عن شخص بقدرة ذاتية غير محددة ، هو قائم باللّه سبحانه لا يعمّ غيره ؛ وأمّا التوفّي
هامش
( 1 ) . الكهف : 95 .
( 2 ) . الزمر : 42 .
( 3 ) . الأنعام : 61 .