اشتهر البرسي بولائه لأهل البيت وتفانيه في حبّهم ، وقد وقف علمه وشعره وأدبه على التعريف بمقامهم ، ونشر أحاديثهم وبثّ فضائلهم ومناقبهم ، وله في ذلك آراء ومعتقدات نسب على أثرها إلى الإفراط وربّما الغلو .
أقول : يتّضح من تأليفه في أصول العقائد ، ومن مقدّمته « 1 » لكتابه « مشارق أنوار اليقين » وبعض فصول « 2 » هذا الكتاب ، أنّه كان عارفا بالملل والنحل ، ذا باع
هامش
( 1 ) . وممّا قاله في هذه المقدمة : وحده لا شريك له لا تدركه الحواس ، فيوجد له شكل ، ولا يشبّه بالناس ، فيكون له مثل ، امتنعت عن إدراك ذاته عيون العقول ، وانقطعت دون وصف صفاته أسباب الوصول ، حي قيوم وجوده لذاته بذاته عن ذاته ، لا لعلّة تقومه فيكون ممكنا ، ولا لسبب يتقدّمه فيكون محدثا ، ولا لكثرة تزاحمه فيكون للحوادث محلا ، حي قبل كلّ حي . . . الحكم العدل الذي لا يتوهم ولا يتّهم ، شهدت العقول والنفوس ، وشاهدت العيون والمحسوس ، أنّ العالم متغيّر ، وكلّ متغيّر جسم ، وكلّ جسم حادث ، وكلّ حادث له محدث ، وذلك المحدث هو الخالق المقدّر ، والبارئ المصوّر . . . فهو المبتدئ الأوّل ، الذي فاض عن جود وجوده كلّ موجود ، والمبدأ الأوّل واجب لذاته ، والواجب لذاته حيّ قيوم ، والحيّ القيوم قديم أزلي ، والقديم واجب الوجود ودائم الوجود ، واحد من جميع الجهات ، والواحد الحق يستحيل أن يكون جسما ، لأنّ الجسم يلزمه التركيب والكثرة ، وكلّ مركّب له أوّل ، وماله أوّل محدث ، والقيوم الحق مجرّد عن كلّ مادة ، منزّه عن كلّ صورة ، مقدّس عن كلّ كثرة . . . .
( 2 ) . انظر الصفحات 208 - 216 ، وفيها على سبيل المثال : والأشعرية . . . جوزوا على اللّه فعل القبيح ، وقالوا إنّه مريد للخير والشرّ ، فإذا كان مريدا لهما ، فلماذا بعث النبيّين وصدعهم ، وقالوا : إنّ صفاته زائدة على ذاته ، فلزمهم أن يعبدوا آلهة شتى ، وقالوا : لا يجب على اللّه شيء فهو يدخل الجنة من شاء ويدخل النار من شاء ولا يسأل عمّا يفعل ، ومنادي العدل يناديهم بالتكذيب ويقول : « ولا تجزون إلّا ما كنتم تعملون » ، ويقول : « إنّ اللّه لا يظلم مثقال ذرّة » ويقول : « ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم » والمعتزلة قالوا بالعدل ، وجوّزوا الخطأ على النبيّين ، وإذا كان اللّه حكيما عادلا فكيف يبعث نبيا جاهلا ؟ وأين العدل إذا ما اتخذ اللّه وليّا جاهلا ، ومنعوا الإمامة ، وقالوا : إنّ الحسن والقبح شرعيين لا عقليين . . . .