وقبل أن نذكر - بإيجاز - ما قاموا به في مجال صيانة العقيدة الإسلامية في أدوار مختلفة ، نودّ أن نذكر مقدّمة لها صلة بالموضوع وهي :
إنّ الدين السائد في الجزيرة العربية - وخاصّة منطقة أمّ القرى - قبل بزوغ شمس الإسلام كان هو الشرك باللّه في التدبير والعبادة ، وهذا أمر واضح لا يرتاب فيه ذو مسكة ، وكان العرب في تلك المناطق يعيشون في خضمّ الخرافات ، ويستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية إلى حدّ لا يمكن أن نذكر معشار ما دوّنه المؤرّخون في ذلك المجال ، لكنّا نشير إلى بعض أفكارهم التي بقيت رواسبها في أذهان بعض المسلمين حتّى بعد بزوغ الإسلام :
1 . كانوا يدينون اللّه تبارك وتعالى بالجبر وسلب الاختيار عن الإنسان ، وكانوا يبرّرون شركهم وعبادتهم للأصنام بمشيئة اللّه تبارك وتعالى قائلين :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
« 1 » ونظيره قوله :
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
« 2 » إلى غير ذلك من الآيات المعربة عن عقيدتهم الراسخة في الجبر وأنّ كلّ المعاصي والمحرّمات بمشيئة من اللّه سبحانه على نحو تسلب الاختيار عن الإنسان ، وبالتالي فاللّه هو المسؤول عن أعمالنا لا نحن أنفسنا ، وقد بقيت رواسب هذه العقيدة في أذهان بعض الصحابة ويشهد له ما رواه الواقدي في مغازيه عن أمّ الحارث الأنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين . قالت : مرّ بي عمر بن الخطاب منهزما فقلت : ما هذا ؟ ! فقال عمر : أمر اللّه . « 3 »
وهذا هو السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال : أرأيت الزنا بقدر ؟ قال : نعم ، قال : فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني ؟ قال : نعم
هامش
( 1 ) . الأنعام : 148 .
( 2 ) . النحل : 35 .
( 3 ) . مغازي الواقدي : 3 / 904 .