ومكث في مدرستها المرادية نحو سنة ، فأخذ شيئا من العلم عن علمائها . ثم بلغه خبر وفاة والده فعاد إلى صيدا ، ودبّر أحوال إخوته ومهّد لهم سبيل المعيشة .
ونظرا لتعلّقه بالعلم لم تطب له الإقامة في صيدا ، فشخص إلى الديار المصرية ، وأقام في الجامع الأزهر سبع سنين يتبحر في العلوم ، وفيه إذا ذاك جماعة من فطاحل العلماء كالشيخ حسن القويسني ، والشيخ محمد الدمنهوري ، والشيخ محمد الطندتاوي ، والشيخ محمد الشبيني ، وغيرهم ، فنبغ في جميع العلوم العقلية والنقلية كاللغة والفقه والحديث والتفسير ، وصار إماما يرجع بها إليه حتى أعجب به أساتذته فكتب إليه الشيخ محمد الطندتاوي ( وكان إذ ذاك في بطرسبورج ) قصيدة يمدحه فيها ويثني على علمه وفضله . وكان في أثناء إقامته بمصر يجالس أكابر علمائها ، وكثيرا ما كان يحضر الامتحانات العمومية التي كانت تجري بحضور عزيز مصر إذ ذاك في المدارس العمومية ، فيقترح أكثر المسائل على التلاميذ بإشارة مشائخه .
ثم اعتراه مرض « الكبد » فعاد إلى صيدا ، ولكنّه لم يرتح إلى الإقامة فيها ، إذ لم يجد فيها مجالا لنشر فضله ، فسافر إلى طرابلس الشام ، فلاقى من علمائها ووجهائها حسن الوفادة والرعاية فقضى بينهم ثلاث سنوات ، لم يخل مقامه يوما من جماعة منهم ، وأخذ عنه العلم كثير من أفاضلهم .
وأخيرا اختار الإقامة في بيروت لجودة هوائها ، فهرعت إليه الطلبة ، وكثر مريدوه ، وتولّى في أثناء ذلك رئاسة كتابة محكمة بيروت الشرعية ، في أيام قاضيها مصطفى عاشر أفندي .
ثم تولى الفتوى في مدينة عكّا ، ثم تعيّن مدّعيا عموميّا في جبل لبنان على عهد متصرفه داود باشا .
ثم انتقل إلى الآستانة العليّة ، وتولّى رئاسة التصحيح في دائرة نظارة المعارف ، وتعيّن في الوقت نفسه أستاذا للغة العربية في دار المعلمين الكبرى ، ونال في أثناء إقامته بالآستانة مقاما رفيعا بين رجال الآستانة وعرضوا عليه منصبا من المناصب الرفيعة براتب جزيل على وعد الترقّي ، فأبى رغبة في مواصلة خطّته العلمية .
ثم ثقلت عليه وطأة البرد في الآستانة وهمّ بالرجوع إلى بيروت ، فأسف وزير المعارف إذ ذاك على خسارته ، وماطله في قبول استعفائه على أمل استبقائه لما آنس من سعة علمه ، وعاين من رواج الكتب التي صحّحها . ولكنه أصرّ على النزوح إلى ربوع الشام فعاد إليها وأقام في بيروت ، وأخذ يبث العلم بين طلبتها .
وأكبّ على التأليف والتصنيف ، وكان اشتغاله غالبا في الفقه واللغة ، فألّف كتابا في الفقه سماه : « رائض الفرائض » . طبع ، وله : « شرح أطواق الذهب » تأليف الزمخشري .
ونظم كثيرا من القصائد الرنّانة ، طبع منها جانب كبير في « ديوان » يعرف باسمه .
وله : « إرشاد الورى » في نقد كتاب « نار القرى » لناصيف اليازجي طبع .
وله : « ردّ الشهم للسهم » في الردّ على « السهم الصائب » لسعيد الشرتوني طبع .
وله : « سيف النصر » قصة ، طبعت .
وكان على جانب عظيم من الرّقّة والدّعة ولين الجانب وحسن المعاشرة ، يحبّ العلم والعلماء ، ويأخذ بناصرهم ، وكان شافعيّ المذهب سالكا مسلك الأقدمين في حبّ العلم والرغبة في نشره ابتغاء الفائدة العامة .
وكان لحسن عقيدته راغبا عن الدنيا زاهدا فيها ثابتا في اتّباع فروض الدين ، لا يستنكف من حمل حاجيات بيته الضرورية بنفسه ، وكان كثير الشغف بتلاوة القرآن الكريم أو سماعه كل يوم .
وكان ربع القامة ، معتدل الجسم ، أسمر اللون ، أسود الشعر ، كثّ اللحية ، صادق الوعد ، قويّ الذاكرة إذا سئل أجاب في أي موضوع كان مع تقريب الموضوع من ذهن السامع ببسيط العبارة .
توفي سنة 1307 ه وله من العمر سبع وسبعون سنة ، ودفن في مقبرة « الباشورة » ببيروت ، وترك خمسة ذكور وبنتين ، ولم يترك لهم شيئا سوى الذكر الحسن ، وقد أسف أهل بيروت وسائر أهل الشام على فقده لأن جماعة كبيرة منهم أخذوا العلم عنه ، وما برح مرجعا للفائدة علما وعملا حتى توفاه اللّه .
وللشيخ قاسم الكستي : « مجموعة رثاء يوسف الأسير » . رسالة طبعت .
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1684
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٦٨٤